في مسألة تعدُّد الفدية في الحجِّ والعمرة | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الجمعة 9 ربيع الآخر 1441 هـ الموافق لـ 06 ديسمبر 2019 م



الفتوى رقم: ٥١٥

الصنف: فتاوى الحج - مفسدات الحج

في مسألة تعدُّد الفدية في الحجِّ والعمرة

السؤال: فيمن أتى بأكثر من محظورٍ في مناسك الحجّ فهل تتعدّد الفدية بتعدُّد المحظور أم تكفيه كفارة واحدة ؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمّا بعد:

فالعلماء يختلفون في موجِب تعدّد الفدية في محظورات الحجّ، واختلافهم راجع إلى الاختلاف في تحقيق المناط بالنظر إلى عدم وجود نصٍّ في تعدّد الفدية من كتاب ولا سُنّة، فالمالكية ينظرون إلى وقت الفعل، فإن كان واحدًا أو متقاربًا تلزمه فدية واحدة، وإن كان وقت الفعل متباعدًا فإنّ الفدية تتعدّد بتعدّد الفعل، والأحناف يفرِّقون - في موجب الفدية - يبن النوع الواحد في مجلس واحد فتلزمه كفارة واحدة، وإن فعل في مجالس متعدّدة تعدّدت الكفارة، والشافعية يفرّقون بين ما إذا كان أحدهما استهلاكًا والآخر استمتاعًا، وبين أن يكون استهلاكًا فقط، أو استمتاعًا فقط، أمّا الحنابلة فيفرّقون -في موجب الفدية- بين المحظورات من جنس واحد كمن حَلَقَ ثمّ حَلَقَ، أو قلّم مرّة بعد مرّة فلا تتعدّد الفدية بتعدّد الأسباب التي هي نوع واحد سواء كانت في مجلس واحد أو مجالس متفرِّقة ما لم يقع الفعل الثاني بعد تكفيره عن الفعل الأول فإنّه في هذه الحال تلزمه فدية أخرى.

أمّا إذا كانت المحظورات المرتَكَبَة من أجناس مختلفة كالحلق، والوطء، والتطيّب، ولبس المَخِيط، فعليه لكلّ واحد فدية سواء أكان في مجلس واحد أو في مجالس متفرِّقة.

هذا، وبعد هذا الإيجاز يمكن تقرير أصل موجبات الفدية على الوجه التالي:

أولاً: إذا افتدى عن محظور من محظورات الإحرام ثمّ عاد إلى فعله بعد الفدية فتلزمه فدية أخرى.

ثانيًا: إذا كانت المحظورات متداخلة الأجزاء، أي: من نوع واحد، ووقعت في مجلس أو مجالس متفرِّقة، مثل الحلق بعد الحلق أو التطيُّب بعد التطيُّب فعليه فدية واحدة، فلا تتعدّد الفدية بتعدّد أسبابها، مثل من سها في صلاته مرّات متعدّدة يكفيه لجميعِها سهو واحدٌ، أو زنى مرّات متعدّدة قبل أن يقام عليه الحدّ فيكفي حدُّه حدًّا واحدًا، بخلاف ما إذا زنى بعد أن أقيم حدّ الزنى عليه، فإنّه يقام عليه حدٌّ آخر، وكولوغ الكلب أو الكلاب مرّات متعدّدة في الإناء، فإنّه يكفي لتطهيره غسلُه سبع مرات في وِحْدَةٍ واحدة بحَسَب ما دلّ عليه الحديث، ولا يتعدّد الغسل بتعدّد الولوغ.

ثالثًا: إذا كانت المحظورات المرتَكَبَة غير متداخلة الأجزاء أي: أطرافها متباينة، فإمّا أن يكون المُحْرِم قد أتى بها مجتمعةً في مجلسٍ واحد، أو متفرّقة، فإن أتى بها مجتمعة فتلزمه كفارة واحدةٌ كالمحرم الذي لبس ثوبًا مخيطًا مطيّبًا، وهذا منقول عن أحمد رحمه الله، قال: "إنّ في الطِّيب واللّبس والحلَقْ فدية واحدة، وإن فعل ذلك واحدًا بعد واحد فعليه لكلّ واحد دم"(١)، وهو قول إسحاق، وقال الحسن: "إن لَبِسَ القميصَ وتَعَمَّم وتطيّب فَعَلَ ذلك جميعًا فليس عليه إلاّ كفارة واحدة"(٢)، ونحو ذلك عن مالك -رحمهم الله-.

أمّا إذا كانت المحظورات المرتكبة أنواعًا متفرّقةً فإنّ الفدية تتعدّد بتعدّد موجبها أي: أنّ عليه لكلّ محظور فداء، وتلحق صورتها بالحدود المختلفة كمن سَرَق وزنى وقذف فتتعدّد عليه الحدود، كما تلحق بالأيمان المختلفة على أشياء مختلفة ثمّ يحنث فيها، فإنّه تتعدّد الكفارة بتعدّد الأيمان فيها.

والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلّى الله على محمّـد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٨ ربيع الأول ١٤٢٦ﻫ
الموافق ﻟ: ٥ مايـو ٢٠٠٥م


(١) انظر "المغني" لابن قدامة (٤/ ٥٢٨).

(٢) المصدر السابق.