في إفادة كان للتكرار | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 14 ربيع الآخر 1441 هـ الموافق لـ 11 ديسمبر 2019 م



الفتوى رقم: ٥١٤

الصنف: فتاوى الأصول والقواعد - أصول الفقه

في إفادة "كان" للتكرار

السؤال: قرأت فتواكم في خصوص أفعال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأنها إذا كانت بصيغة " كان يفعل كذا" تفيد العموم، ثم اطلعت على كلام في كتاب " أفعال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم" حيث قال فيه ما يلي: " وقد ادعى الكثيرون أنّ "كان يفعل" تدل على العموم في أقسام الفعل وأوجهه ...." إلى أن قال: "وقول من ادعى العموم مردود بما قال ابن قاسم في شرح الورقات: يمكن أن يجاب بأن "كان يفعل" وإن أفادت التكرار فإن كلّ مرة من مرات التكرار لا عموم فيه لأنّها إنّما تقع في أحد السفرين فالمجموع لا عموم فيه إذ المركَّب ممّا لا عموم فيه، لا عموم فيه واحتمال أنّ بعض المرات في أحد السفرين" يشير إلى حديث: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْمَعُ الصَّلاَتَيْنِ فِي السَّفَرِ»(١) وبعضهم في الآخر غير معلوم ولا ظاهر فصار اللفظ مجملا بالنسبة للسفر القصير كما أشار إليه الشيخ أبو إسحاق" فأشكل عليَّ هذا الكلام مع كلامكم فأرجو التوضيح وكشف اللبس؟ وبارك الله فيكم

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:

فلا تعارض في النتيجة بين ما تقدم لي ذكره من أنَّ " كان" تفيد التكرار وما نقلوه ضمن السؤال، حيث إنَّ شارح الورقات لا ينفي التكرار ولكنه ينفي العموم في ذات المرة والمرات سواء على جهة الانفراد أو التركيب، ومذهب الجمهور عدم إفادتها التكرار لا عرفًا ولا لغة وبهذا قال الفخر الرازي ورجحه ابن السبكي(٢) خلافًا لمن يرى أنَّ حكاية الراوي لفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بلفظ "كان" يدلُّ على التكرار لا لفظ الفعل الذي بعدها وبهذا قال ابن الحاجب والإسنوي والفتوحي والشوكاني وغيرهم(٣) إذ يستفاد من قولهم " كان حاتم الطائي يكرم الضيفان" على تكرار الإكرام والتردد عليه أكثر من مرة.

وإنما عنيت بحكاية الراوي لفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بلفظ "كان" العموم بمعنى التكرار لا بمعنى إخبار عن دوام الفعل والمواظبة عليه، ذلك لأنَّه إنما يؤتى به لحكاية الفعل أو الحادثة على وجه التكرار بغض النظر إن كان مستفادًا من ذات اللفظ أو من دليل خارجي، وقد أوردت ذلك لبيان نهيه صلى الله عليه وآله وسلم وقضائه الذي ليس حكاية الفعل الذي فعله وإنما هو حكاية لصدور النهي والقضاء من أقواله فكان اقتضاؤه للعموم أولى وهذا بخلاف مطلق الفعل غير مقرون بحكاية الراوي لفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بلفظ "كان".

وعليه، ولو سلم أنه لا يقتضي الفعل بلفظ "كان" سوى مطلق الوقوع لغة أي أنه يفيد إلاَّ الماهية من حيث ذاتها إلاَّ أنَّه يقتضي التكرار عرفا أو بدليل خارجي على أقل الأحوال خلافا للفخر الرازي ومن تبعه، وقد ذكر القرافي أنَّ "كان" أصلها أن تكون في اللغة كسائر الأفعال لا تدل إلاَّ على مطلق وقوع الفعل في الزمن الماضي وهو أعم من كونه تكرَّر بعد ذلك ولم يتكرَّر، غير أنَّ العادة جرت بأنَّ استعمالها في الفعل لا يحسن إلاَّ إذا كان متكرِّرًا (٤).

والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين وسلم تسليما.

الجزائر في: ٢٢ رجب ١٤٢٧ﻫ
الموافـق ﻟ: ١٧ أوت ٢٠٠٦م


[١]- أخرجه البخاري في تقصير الصلاة (١٠٦٠)، ومسلم في صلاة المسافرين (١٦٢٥)، وابن حبان (١٤٥٦)، وأبو داود في صلاة السفر (١٢١٨)، والنسائي في المواقيت (٥٨٦)، وأحمد (١٣١٧٢)، والبيهقي (٥٦٢٤)، من حديث أنس ابن مالك رضي الله عنه.

[٢]- "المحصول للرازي": ١/ ٢/ ٦٤٨، "جمع الجوامع" لابن السبكي: ١/ ٤٢٥.

[٣]- "المسودة" لآل تيمية: ١١٥، "العضد": ٢/ ١١٨، "زوائد الأصول" للإسنوي: ٢٥٦، "القواعد والفوائد الأصولية" للبعلي: ٢٣٧، "إرشاد الفحول" للشوكاني: ١٢٥.

[٤] - "شرح تنقيح الفصول" للقرافي: ١٨٩.