في رجوع الحاج بعد التَّحلُّل الأصغر محرمًا إذا أمسى ولم يطف | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 11 صفر 1442 هـ الموافق لـ 28 سبتمبر 2020 م



الفتوى رقم: ٦٩٩

الصنـف: فتاوى الحج - الإحرام

في رجوع الحاج بعد التَّحلُّل الأصغر
 محرمًا إذا أمسى ولم يطف

السؤال:

إذا أمسى الحاجُّ في يوم النَّحر ولم يَطُفْ طوافَ الإفاضة بعد التَّحلُّل الأصغر، فهل يلزمه إعادةُ لُبسِ لباسِ الإحرام؟

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:

فهذه المسألةُ ترجع إلى الحكم على ما أخرجه أبو داود وأحمد وغيرُهما مِنْ حديثِ أمِّ سلمة رضي الله عنها عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ هَذَا يَوْمٌ رُخِّصَ لَكُمْ إِذَا أَنْتُمْ رَمَيْتُمُ الجَمْرَةَ أَنْ تَحِلُّوا ـ يَعْنِي: مِنْ كُلِّ مَا حُرِمْتُمْ مِنْهُ إِلَّا النِّسَاءَ ـ فَإِذَا أَمْسَيْتُمْ قَبْلَ أَنْ تَطُوفُوا هَذَا البَيْتَ صِرْتُمْ حُرُمًا كَهَيْئَتِكُمْ قَبْلَ أَنْ تَرْمُوا الجَمْرَةَ، حَتَّى تَطُوفُوا بِهِ»(١).

فمَنْ صحَّ عنده الحديثُ عَمِل بمقتضاه وأَلزمَ مَنْ تحلَّل التحلُّلَ الأوَّلَ يومَ النحر ولم يَطُفْ قبل غروب الشمس أَنْ يعود للإحرام بناءً على فحوى الحديث، ومَنِ اعتبر الحديثَ شاذًّا مُخالِفًا للأحاديث الصحيحة، فضلًا عن ترك الأمَّة للعمل به لم يُلزِمْهُ بالعَوْد إلى الإحرام، قال البيهقيُّ رحمه الله: «لا أعلمُ أحَدًا مِنَ الفقهاء يقول بذلك»(٢)، وقال بدر الدِّين العينيُّ رحمه الله: «هذا شاذٌّ، أجمعوا على ترك العمل به، وقال المُحبُّ الطَّبريُّ رحمه الله: وهذا حكمٌ لا أعلمُ أحَدًا قال به، وإذا كان كذلك فهو منسوخٌ، والإجماع ـ وإِنْ كان لا ينسخ ـ فهو يدلُّ على وجود ناسخٍ وإِنْ لم يظهر»(٣).

هذا، وقد قَوَّى الحديثَ جمعٌ مِنَ العلماء، قال ابنُ القيِّم رحمه الله في «حاشيته على سنن أبي داود»: «وهذا يدلُّ على أنَّ الحديث محفوظٌ؛ فإنَّ أبا عبيدة رواه عن أبيه وعن أمِّه وعن أمِّ قيسٍ»(٤)، وسَكَت عنه الحافظ في «التلخيص»(٥)، والحديث قال عنه الألبانيُّ: «إسناده حسنٌ صحيحٌ»(٦)، وقد وجَد له طريقًا أخرى يرتقي بها إلى درجة الصحَّة(٧)، وإذا ثَبَت الحديثُ كان أصلًا قائمًا بنفسه ولا تردُّه الأصول، والأصول لا يُضرَبُ بعضُها ببعضٍ، بل الواجب اتِّباعُها جميعها، ويُقَرُّ على كُلٍّ منها على أصله وموضعه، فهي كُلُّها مِنْ عند الله الذي أحكمَ شَرْعَه وأتقنَ خَلْقَه، وما نُقِل عن العلماء مِنْ عدمِ علمِهم بأحدٍ قال به؛ فإنَّ القاعدة تقضي: بأنَّ «عَدَمَ العِلْمِ بِالشَّيْءِ لَا يَسْتَلْزِمُ العِلْمَ بِعَدَمِهِ»، ومع ذلك فقَدْ عَمِل به راوي الحديث، ونَقَل ابنُ حزمٍ أنه مذهبُ عروة بنِ الزُّبير التابعيِّ الجليل رحمه الله.

وعليه، فإذا صحَّ الحديثُ كان حجَّةً بنفسه، ووَجَب العملُ بمقتضاه، وهو أنه إذا أمسى الحاجُّ بعد تحلُّله الأصغرِ ولم يَطُفْ عاد مُحرِمًا كما كان قبل الرمي.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

 

الجزائر في: ٢٣ جمادى الأولى ١٤٢٨ﻫ

الموافق ﻟ: ٨٠ جوان ٢٠٠٧م

 



(١) أخرجه أبو داود في «المناسك» باب الإفاضة في الحجِّ (١٩٩٩) مِنْ حديثِ أمِّ سلمة هند بنتِ أبي أُمَيَّة رضي الله عنها. وصحَّحه النوويُّ في «المجموع» (٨/ ٢٣٤)، والألبانيُّ في «مناسك الحجِّ والعمرة» (٣٢).

(٢) انظر: «السنن الكبرى» للبيهقي (٥/ ٢٢٣)، «التَّلخيص الحبير» لابن حجر (٢/ ٢٦٠).

(٣) «عمدة القاري» للعيني (١٠/ ٦٧).

(٤) «تهذيب السُّنن» لابن القيِّم (٥/ ٤٨٢).

(٥) «التَّلخيص الحبير» لابن حجر (٢/ ٢٦٠).

(٦) «صحيح أبي داود» للألباني، حديث رقم: (١٩٩٩).

(٧) انظر: «مناسك الحجِّ» للألباني (٣٢).