في حكم طاعة الوالدة الآمرة ابنها بطلاق زوجته | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
السبت 10 ربيع الآخر 1441 هـ الموافق لـ 07 ديسمبر 2019 م



الفتوى رقم: ٩٣٦

الصنـف: فتاوى الأسرة - انتهاء عقد الزواج - الطلاق

في حكم طاعة الوالدة الآمرة ابنها بطلاق زوجته

السـؤال:

إذا أمرت الأُمُّ ابنَها بطلاق زوجتِه إثرَ خصوماتٍ وقعت بين الأُمِّ وعائلة زوجته، لا دخل للزوجة فيها، علمًا بأنَّ الزوجة ظاهرةٌ في الاستقامة والصلاح، فهل تجب طاعة الأمِّ في أمرها بالطلاق؟ أفيدونا -جزاكم الله خيرًا- والأمر مستعجلٌ!!

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالمعلوم أنَّ النصوص الشرعية المتعلِّقةَ بالوالدين وطاعتهما كثيرةٌ، تأمر بِبِرِّهما والإحسان إليهما، لقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، غير أنَّ تنفيذ أمرهما وطاعتهما إنما يكون مقيَّدًا بالمعروف دون المعصية والمنكر، لقوله تعالى: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥]، ولقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ»(١).

وعليه، فإذا أمرت الوالدة ابنَها بطلاق زوجته وكانت الأسباب الدافعة مبنيَّةً على مجرَّد الهوى والتشهِّي في التفريق بين المرء وزوجه، أو من أجل العداوة والبغضاء التي حدثت من جرَّاء الخصومات بين العائلتين التي لا دَخْل لزوجة ابنها فيها، وإنما أرادت الأمُّ أن تثأر لنفسها بالأمر بالطلاق نكايةً بالزوجة وبأهلها؛ فإنَّ هذا الأمر غيرُ مبنيٍّ على سببٍ شرعيٍّ صحيحٍ، فلا يلزم الابنَ طاعةُ والدته بتنفيذ أمرها بتحقيق شهوة التعدِّي بالطلاق، إذ «لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ»(٢)، وخاصَّةً إن ظهرت في زوجته خصالُ التقوى وعلاماتُ الصلاح والاستقامة طيلةَ مكوثها في بيت الزوجية، بل الواجب نصرةُ أمِّه بترك طلاقها لئلاَّ تقع في ظلم الغير والتعدِّي على حياة الزوجين بسبب العداوة الواقعة بين الأسرتين، لقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا»، قَالُوا: «يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا نَنْصُرُهُ مَظْلُومًا، فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟» قَالَ: «تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ»(٣).

أمَّا إذا كان أمرُ الوالدة ابنَها بطلاق زوجته مؤسَّسًا على سببٍ شرعيٍّ تتحقَّق مصلحتُه الشرعية كأن تكون زوجتُه مُتَّهمةً حقيقةً بشرٍّ، سواءٌ بتعاطيها السحرَ والكهانة، أو في تصرُّفاتها مع الرجال الأجانب، أو ثبت عنها السرقة أو الخيانةُ الزوجية، أو كونها تخرج من البيت في أوقاتٍ مشبوهةٍ بغير إذنٍ، أو علم أنها تاركةٌ للفرائض والمباني أو سيِّئةُ الخلق ونحو ذلك، وثبت عنها ذلك ثبوتًا مؤكَّدًا لا مجرَّد دعوى؛ فإنَّ ذلك يعكس أنَّ حُكْمَ والدته وميزانها في تقويم زوجته كان عدلاً وقصدها حسنًا، فإنه -والحال هذه- يجب طاعةُ والدته بتطليقها عملاً بمقتضى حديث ابن عمر عن أبيه رضي الله عنهما، قال: «كَانَتْ تَحْتِي امْرَأَةٌ أُحِبُّهَا وَكَانَ أَبِي يَكْرَهُهَا، فَأَمَرَنِي أَبِي أَنْ أُطَلِّقَهَا فَأَبَيْتُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، طَلِّقْ امْرَأَتَكَ»»(٤). والحديث دلَّ على أنَّ مِن حقِّ الوالد إذا كان عدلاً وقصدُه حسنًا إذا كره من زوجة ابنه كراهةً شرعيةً أن يسأله طلاقَها ويجيبه إلى ذلك، وإذا كان ذلك في حقِّ الوالد على ولده كان من حقِّ الوالدة على ولدها أوجبَ ولولدها ألزم؛ لأنَّ حقَّ الوالدة على الولد يتجاوز حقَّ الوالد عليه إذا كان بالاعتبار الشرعيِّ السالف البيان.

قال أبو جعفرٍ الطحاويُّ: «والذي يؤمر به الولد في هذا غيرُ مبيحٍ له فيه طلاقَ زوجته في الموضع الذي نهاه الله عزَّ وجلَّ عن طلاقها فيه، وإنما هو طلاقه إيَّاها في الموضع الذي أباح الله الطلاقَ فيه لا في ضدِّه»(٥).

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٥ شعبان ١٤٢٩ﻫ
الموافق ﻟ: ١٦ أوت ٢٠٠٨م


(١) أخرجه البخاري في «الأحكام» باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصيةٌ (٧١٤٥)، ومسلم في «الإمارة» (١٨٤٠)، من حديث عليِّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه.

(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» (١٠٩٥)، من حديث عليٍّ رضي الله عنه، والحديث صحَّحه أحمد شاكر في «تحقيقه على المسند» (٢/ ٢٤٨)، والألباني في «صحيح الجامع» (٧٥٢٠)، وانظر «مجمع الزوائد» للهيثمي (٨٩٠٣)، و«السلسلة الصحيحة» للألباني (١/ ٣٤٨).

(٣) أخرجه البخاري في «المظالم» باب: «أعن أخاك ظالمًا أو مظلومًا» (٢٤٤٤) من حديث أنس بن مالكٍ رضي الله عنه، وأخرجه مسلم في «البرِّ والصلة والآداب» (٢٥٨٤) من حديث جابرٍ رضي الله عنه.

(٤) أخرجه الترمذي في «الطلاق واللعان» باب ما جاء في الرجل يسأله أبوه أن يطلِّق زوجتَه (١١٨٩)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. والحديث صحَّحه أحمد شاكر «في تحقيقه لمسند أحمد» (٩/ ١٨١)، والألباني في «صحيح الترمذي» (١١٨٩). وانظر «الإرواء» للألباني (٧/ ١٣٦).

(٥) «مشكل الآثار» للطحاوي (٣/ ٤٠٤).