Skip to Content
الإثنين 23 شعبان 1445 هـ الموافق لـ 04 مارس 2024 م



الكلمة الشهرية رقم: ٢٨

في العلاقة التلازمية بين العقيدة والمنهج

نصُّ السؤال:

هذه بعضُ المسائل أشكلَتْ علينا، نرجو مِنْ فضيلتكم إجابتَنا عليها بشيءٍ مِنَ البسط:

¨      ما الفرق بين العقيدة والمنهج؟ وهل بينهما عمومٌ وخصوصٌ؟ وهل صحَّةُ العقيدة يَلْزَم منها ـ بالضرورة ـ صحَّةُ المنهج؟

¨      ما هو الضابط الذي نعرف به خروجَ عالمٍ أو داعيةٍ عن منهج السلف؟ وهل إذا عُرِف بالعلم والفضل والصلاح وأَخْطَأَ في مسألةٍ أو مسألتين في العقيدة فإنه يُطْرَح ولا يُلتفَتُ إليه؟

واللهَ نسأل أَنْ يُوفِّقَكم لخدمةِ دِينِه ونصرتِه والذَّوْد عنه، آمين.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فقبل الجواب على السؤال الأوَّل، فمِنَ المعلوم أنَّ لفظةَ: «العقيدة» لم يَرِدِ استعمالُها في الكتاب والسُّنَّة، ولا في أُمَّهاتِ معاجمِ اللغة، واستعمل الأئمَّةُ السابقون ما يدلُّ عليها ﻛ: «السُّنَّة» و«الإيمان» و«الشريعة»، واستعمل كثيرٌ مِنَ الأئمَّة لفظتَيِ: «اعتقاد» و«مُعتقَد» كابنِ جريرٍ الطبريِّ واللَّالَكائيِّ والبيهقيِّ.

فمِنَ الناحية الاصطلاحيَّة تُستعمَلُ لفظةُ: «العقيدة» عند إطلاقها للدلالة على: «ما يَعْقِدُ عليه العبدُ قلبَه مِنْ حقٍّ أو باطلٍ»، أمَّا استعمالُها مقيَّدةً بصفةٍ كعبارةِ: «العقيدة الإسلاميَّة»، فيمكن تعريفها بأنها: «الإيمان الجازم بكلِّ مسائل أصول الدِّين وأمور الغيب وأخباره، وما اتَّفق عليه السلف الصالح مع التسليم لله تعالى والانقياد له بالطاعة واتباع الهدي وتحكيم الشريعة».

فالعقيدةُ في الإسلام تُقابِلُ الشريعةَ؛ لأنَّ المراد بالشريعة: التكاليفُ العمليَّة التي جاء بها الإسلامُ في العبادات والمُعامَلات، بينما العقيدةُ هي أمورٌ علميَّةٌ يجب على المسلم أَنْ يعتقدها في قلبه لأنَّ الله تعالى أخبره بها بطريقِ وحيِه إلى رسوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم، والصلةُ بينهما وثيقةٌ جدًّا، يجتمعان في الإيمان عند الانفراد لأنَّ له شِقَّين: عقيدةٌ نقيَّةٌ راسخةٌ تَسْتَكِنُّ في القلب، وشقٌّ آخَرُ يتمثَّل في العمل الذي يظهر على الجوارح؛ فكان الإيمانُ عقيدةً يرضى بها قلبُ صاحِبِها، ويُعْلِنُ عنها بلسانه، ويرتضي المنهجَ الذي جَعَله اللهُ مُتَّصِلًا بها؛ لذلك جاء مِنْ أقوالِ علماء السلف في الإيمان: أنه اعتقادٌ بالجَنان ونطقٌ باللسان وعملٌ بالأركان.

هذا؛ والاعتماد على صحَّةِ هذه العقيدةِ لا يكون إلَّا وَفْقَ منهجٍ سليمٍ قائمٍ على صحيحِ المنقول الثابتِ بالكتاب والسُّنَّة، والآثارِ الواردةِ عن الصحابة رضي الله عنهم، والتابعين مِنْ أئمَّة الهدى ومصابيحِ الدُّجَى الذين سَلَكوا طريقَهم، كما قال صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»(١)؛ فكان هذا الصراطُ القويم ـ المتمثِّلُ في طلبِ العلم بالمَطالب الإلهيَّة عن طريقِ الاستدلال بالآيات القرآنيَّة والأحاديث النبويَّة، والاسترشادِ بفهم الصحابة والتابعين ومَنِ الْتزم بنهجهم مِنَ العلماء ـ مِنْ أعظمِ ما يتميَّز به أهلُ السُّنَّة والجماعة عن أهل الأهواء والفُرْقة، ومِنْ مميِّزاتهم الكبرى: عدمُ مُعارَضتهم الوحيَ بعقلٍ أو رأيٍ أو قياسٍ، وتقديمُهم الشرعَ على العقل، مع أنَّ العقلَ الصريحَ لا يُعارِضُ النصَّ الصحيح بل هو مُوافِقٌ له، ورفضُهم التأويلَ الكلاميَّ للنصوص الشرعيَّة بأنواع المجازات، واتِّخاذُهم الكتابَ والسُّنَّة ميزانًا للقَبول والرفض؛ تلك هي أَهَمُّ قواعدِ المنهج السلفيِّ وخصائصِه الكبرى التي لم يتَّصِفْ بها أَحَدٌ سِوَاهم؛ ذلك لأنَّ مصدرَ التلقِّي عند مُخالِفيهم مِنْ أهل الأهواء والبِدَعِ هو العقلُ الذي أفسدَتْه تُرَّهاتُ الفلاسفة، وخُزَعْبَلاتُ المَناطِقة، وتَمَحُّلَاتُ المتكلِّمين؛ فأفرطوا في تحكيم العقل ورَدِّ النصوص ومُعارَضتها به، وغيرِ ذلك مِمَّا هو معلومٌ مِنْ مذهب الخلف.

هذا؛ وقد كان مِنْ نتائجِ المنهج القويم: اتِّحادُ كلمةِ أهل السُّنَّة والجماعة بتوحيد ربِّهم، واجتماعُهم باتِّباع نبيِّهم صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم، واتِّفاقُهم في مسائل الاعتقاد وأبوابه، قولًا واحدًا لا يختلف مهما تَباعدَتْ بهم الأمكنةُ واختلفَتْ الأزمنة.

فالمنهج السليم يُؤدِّي إلى الاعتقاد السليم، فيُستدَلُّ بصحَّة العقيدة على سلامة المنهج؛ فهو مِنَ الاستدلال بالمعلول على العلَّة، كالاستدلال بوجودِ أثرِ الشيء على وجودِه وبعدمه على عدمِه؛ فهو مِنْ قياس الدلالة عند الأصوليِّين، وقد تكون العقيدةُ سليمةً في بعضِ جوانبِها، فاسدةً في بعضها الآخَر؛ فيُستدَلُّ بجانبها الصحيح على صحَّةِ المنهج فيه، وبالفاسد على فسادِ منهجه فيه، مثل أَنْ يَعتقِد عقيدةَ السلفِ في الأسماء والصفات، ويَعتقِدَ مسائلَ الخروجِ والحزبيَّة وغيرِهما؛ فيُستدَلُّ بصحَّةِ عقيدته في الأسماء والصفات على صحَّةِ المنهج فيها المتمثِّلِ في الاستدلال بالكتاب والسُّنَّة والاسترشادِ بفهم السلف الصالح، كما يُستدَلُّ بفسادِ عقيدته في الجانب الآخَرِ على تركِه المنهجَ السلفيَّ فيه.

أمَّا السؤال الثاني: فإنه ينبغي التفريقُ بين مَنْ كان قصدُه الحقَّ فأخطأ، وبين مَنْ عَانَدَ بعد ظهور الحقِّ له في المسألة، أو أَصَرَّ على مُخالَفةِ النصوص الصحيحة والأدلَّةِ الثابتة أو الراجحة، أو تَكلَّمَ بلا علمٍ، أو استقرَّتْ بدعتُه ودَعَا إليها ونافَحَ عنها، أو قصَّر في طلبِ الحقِّ، أو أَعْرَضَ عن طلبِه، أو أخفاهُ لأسبابٍ اعترضَتْه، وما إلى ذلك مِنَ الحالات.

فالمُخْطِئُ ـ في الحالة الأولى ـ معذورٌ، وخطؤه مغفورٌ، وهو مأجورٌ، لا يَصِلُ إليه ذمٌّ ولا عيبٌ، ولا يلحقه نقصٌ، ولا يجوز تبديعُه ولا تفسيقُه بحالٍ، والواجبُ اتِّجاهَه: النصيحةُ، وبيانُ موضعِ الخطإ مقرونًا بدليله لإزالةِ الشبهة وإقامةِ الحجَّة، والواجبُ عليه الرجوعُ إلى الحقِّ والعملُ به؛ ذلك لأنَّ العصمة للأنبياء؛ فلو سُلِبَ عن كُلِّ مُخْطِئٍ سلفيَّتُه بمُجرَّدِ الخطإ ما بَقِيَ أَحَدٌ مِنْ أهل السُّنَّة! قال ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ: «...فلو كان كُلُّ مَنْ أخطأ أو غَلِطَ تُرِكَ جملةً وأُهْدِرَتْ مَحاسِنُه لَفَسَدَتِ العلومُ والصناعاتُ والحِكَمُ وتعطَّلَتْ مَعالِمُها»(٢)، أمَّا الحالاتُ الأخرى فهي بخلافِ هذه.

ولشيخِ الإسلام ابنِ تيميَّة ـ رحمه الله ـ كلامٌ سديدٌ ضِمْنَ هذا المنظور ـ عند تعرُّضِه لبيانِ مسألة التكفير ـ فقال: «...وأمَّا التكفير: فالصوابُ أنه مَنِ اجتهد مِنْ أمَّةِ محمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم وقَصَدَ الحقَّ فأخطأ؛ لم يُكفَّرْ، بل يُغْفَرُ له خطؤُه، ومَنْ تَبيَّنَ له ما جاء به الرسولُ فشاقَّ الرسولَ مِنْ بعدِ ما تَبيَّنَ له الهدى واتَّبع غيرَ سبيلِ المؤمنين فهو كافرٌ، ومَنِ اتَّبع هَواهُ وقصَّر في طلبِ الحقِّ وتَكلَّمَ بلا علمٍ فهو عاصٍ مُذْنِبٌ، ثمَّ قد يكون فاسقًا، وقد تكون له حسناتٌ تَرْجَحُ على سيِّئاته»(٣) واللهُ أَعْلَمُ.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٦ جمادى الأولى ١٤٢٩ﻫ
الموافق ﻟ: ٢١ مـاي ٢٠٠٨م

 



(١) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الشهادات» باب: لا يشهد على شهادةِ جَوْرٍ إذا أُشْهِدَ (٢٦٥٢)، ومسلمٌ في «الفضائل» (٢٥٣٣)، مِنْ حديثِ عبد الله بنِ مسعودٍ رضي الله عنه. وله شاهدٌ أخرجه أحمد في «مسنده» (١٨٣٤٩) مِنْ حديثِ النعمان بنِ بشيرٍ رضي الله عنهما بهذا اللفظ، إلَّا أنه قال ثلاثَ مرَّاتٍ: «ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»، فأَثْبَتَ القرنَ الرابع. [انظر: «السلسلة الصحيحة» للألباني (٢/ ٣١٣)].

(٢) «مَدارِج السالكين» لابن القيِّم (٢/ ٣٩).

(٣) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٢/ ١٨٠).