Skip to Content
الإثنين 20 صفر 1443 هـ الموافق لـ 27 سبتمبر 2021 م

الكلمة الشهرية: ٣

المنهج القويم
في معاملة الحكام

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فاعْلَمْ أنَّ العلماءَ أجمعوا على وجوبِ طاعةِ الحاكم المتغلِّب، وأنَّ طاعته خيرٌ مِنَ الخروج عليه، لِمَا في ذلك مِنْ حَقْنِ الدماءوتسكينِ الدهماء، ولِمَا في الخروج عليه مِنْ شقِّ عصا المسلمين وإراقةِ دمائهم وذهابِ أموالهم، فإذا استتبَّ له الأمرُ وتمَّ له التمكينُ ـ وإِنْ لم يَستجمِعْ شروطَ الإمامةِ ـ صَحَّتْ إمامتُه ووجبت بيعتُه وطاعتُه في المعروف، وحَرُمَتْ مُنازَعتُه ومعصِيَتُه؛ فأحكامُه نافذةٌ، ولا يجوز الخروجُ عليه قولًا واحدًا؛ وقد حكى الإجماعَ على ذلك الحافظُ ابنُ حجرٍ في «الفتح»(١)، والنوويُّ في «شرح مسلم»(٢)، والشيخُ محمَّد بنُ عبد الوهَّاب في «الدُّرَر السنيَّة»(٣)، فمَنْ خَرَجَ عن طاعةِ الحاكم الذي وَقَعَ الاجتماعُ عليه فارَقَ الجماعةَ الذين اتَّفقوا على طاعةِ الإمام الذي انتظم به شَمْلُهم، واجتمعت به كَلِمتُهم، وحَاطَهُمْ عن عدوِّهم، فإِنْ مات مات مِيتةَ الجاهليَّة، فقَدْ أخرج البخاريُّ ومسلمٌ في صحيحَيْهما عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: قال رسولُ الله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ؛ فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً»، وفي لفظٍ: «مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ إِلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً»(٤)؛ ذلك لأنَّ أهل الجاهليَّة لم يكن لهم إمامٌ يجمعهم على دِينٍ ويتألَّفهم على رأيٍ واحدٍ ـ كما ذكر الخطَّابيُّ ـ بل كانوا طوائفَ شتَّى وفِرَقًا مُختلِفين، آراؤهم مُتناقِضةٌ، وأديانُهم مُتبايِنةٌ؛ وذلك الذي دعا كثيرًا منهم إلى عبادة الأصنام وطاعةِ الأزلام، رأيًا فاسدًا اعتقدوه في أنَّ عندها خيرًا، وأنها تملك لهم نفعًا أو تدفع عنهم ضرًّا(٥).

ففي حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما المتقدِّمِ دليلٌ على تركِ الخروج على السلطان ولو جَارَ؛ فإنَّ المُفارَقة للجماعةِ مُفارَقةٌ للأُلفةِ وزوالٌ للعصمةِ وخروجٌ عن كَنَفِ الطاعة والأمان، وصاحِبُها لا يُسألُ عنه لعظيمِ هَلَكَتِه، وقد أَمَرَ الشرعُ بلزومِ الجماعة ونَهَى عن التفرُّق ـ وإِنْ وَقَعَ مِنْ وُلَاةِ الأمورِ الظلمُ والحيفُ ـ، قال الله تعالى: ﴿وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ[آل عمران: ١٠٣]، قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّة ـ رحمه الله ـ: «وقد فُسِّرَ «حبلُه» بكتابه وبدِينه وبالإسلام وبالإخلاص وبأَمْرِه وبعهده وبطاعته وبالجماعة؛ وهذه كُلُّها منقولةٌ عن الصحابة والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدِّين، وكُلُّها صحيحةٌ؛ فإنَّ القرآن يأمر بدِينِ الإسلام، وذلك هو عهدُه وأمرُه وطاعتُه، والاعتصامُ به جميعًا إنما يكون في الجماعة، ودِينُ الإسلامِ حقيقتُه الإخلاصُ لله»(٦).

ولقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ[النساء: ٥٩]، و«أُولو الأمر» منهم الأمراءُ والولاة؛ لصحَّةِ الأخبار عن رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم بالأمر بطاعةِ الأئمَّة والولاةِ فيما كان لله طاعةً وللمسلمين مصلحةً(٧)، منها قولُه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم في حديثِ حُذَيْفَةَ بنِ اليَمانِ رضي الله عنهما: «يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ، وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ»، قال: قلت: «كَيْفَ أَصْنَعُ ـ يَا رَسُولَ اللهِ ـ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟» قَالَ: «تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ»(٨)، والطاعةُ لهم في المَنْشَطِ والمَكْرَه، والعُسرِ واليُسر، مشروطةٌ بغيرِ معصيةِ الله تعالى لدلالةِ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم أنه قال: «عَلَى المَرْءِ المُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ إِلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ؛ فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ»(٩)، ولحديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم قال: «لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ؛ إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ»(١٠).

لذلك كان إحسانُ الظنِّ بولاةِ الأمرِ مُتَحَتِّمًا، ومِنْ لوازمِ طاعتهم: مُتابَعتُهم في الصوم والفطر والتضحية: فيصوم بصيامهم في رمضان، ويفطر بفِطْرهم في شوَّالٍ، ويضحِّي بتضحِيَتِهم في عيد الأضحى؛ ومِنْ لوازمِ طاعتهم ـ أيضًا ـ عَدَمُ إهانتهم، وتركُ سَبِّهم أو لَعْنِهم، والامتناعُ عن التشهير بعيوبهم، سواءٌ في الكتب والمصنَّفات والمجلَّات، أو في الدروس والخُطَب، أو بين العامَّة؛ كما ينبغي تجنُّبُ كُلِّ ما يُسيءُ إليهم مِنْ قريبٍ أو مِنْ بعيدٍ؛ ذلك أنَّ علَّةَ المنع: تَفادي الفوضى، وتركِ السمعِ والطاعة في المعروف، والخوضِ فيما يضرُّ نتيجةَ سبِّهم وإهانتهم؛ الأمرُ الذي يفتح بابَ التأليبِ عليهم، ويجرُّ ذلك إلى الفساد، ولا يعود على الناس إلَّا بالشرِّ المستطير؛ ولهذا قال النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «لَعْنُ المُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ»(١١)، و«سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» (١٢)، وبيَّن خُلُقَ المؤمنِ بأنه: «لَيْسَ المُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلَا اللَّعَّانِ وَلَا الفَاحِشِ وَلَا البَذِيءِ»(١٣)؛ ولا شكَّ أنَّ الاتِّصاف بهذا الخُلُقِ الذميمِ مع ولاةِ الأمورِ والأئمَّةِ مِنْ علامات الخوارج، وقد جاء على لسانِ رجلٍ منهم قولُه للنبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «اعْدِلْ»(١٤)، وقال آخَرُ منهم لعثمان رضي الله عنه عندما دَخَلَ عليه ليقتله: «يا نَعْثَلُ»(١٥)؛ وإنما أُمِرْنا أَنْ نَدْعُوَ لهم بالصلاح ونُعينَهم عليه، ولم نُؤمَرْ أَنْ ندعوَ عليهم ـ وإِنْ وَقَعَ منهم الجَوْرُ والظلم ـ كما يفعله فينا مَنْ لم يتَّضِحْ له مذهبُ السلفِ في مُعامَلةِ ولاةِ الأمور؛ ذلك لأنَّ ظُلْمَهم وجَوْرهم على أَنْفُسهم، أمَّا صلاحُهم فلِأَنْفُسهم وللأمَّة كُلِّها: العبادِ والبلاد، وقد جاء عن بعضِ علماءِ السلفِ قولُه: «إذا رأيتَ الرجلَ يدعو على السلطان فاعْلَمْ أنه صاحِبُ هوًى، وإذا رأيتَ الرَّجلَ يدعو للسلطان بالصلاح فاعْلَمْ أنه صاحِبُ سُنَّةٍ ـ إِنْ شاء اللهُ ـ»(١٦).

هذا، وإذا أُمِرْنا بأَنْ ندعوَ لهم فقَدْ أُمِرْنا ـ أيضًا ـ بنصيحتهم ـ حالَ الاستطاعةِ والإمكان ـ مِنْ غيرِ تعنيفٍ ولا بأسلوبِ الفجاجةِ والغلظةِ وبكلمات السوء والمُنكَر، وإنما يكون نُصْحُهم مَبْنِيًّا على الوعظ والتخويف، تذكيرًا لهم بالله تعالى، وتحذيرًا لهم مِنَ الآخرة، وترغيبًا لهم في الصالحات؛ فإنَّ مُناصَحةَ أئمَّةِ المسلمين مُنافِيَةٌ للغِلِّ والغشِّ، كما أخبر به النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم فيما أخرجه الترمذيُّ وغيرُه مِنْ حديثِ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه مرفوعًا: «ثَلَاثٌ لَا يُغِلُّ(١٧) عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ: إِخْلَاصُ العَمَلِ للهِ، وَمُنَاصَحَةُ أَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ ـ وفي لفظٍ: طَاعَةُ ذَوِي الأَمْرِ ـ، وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ؛ فَإِنَّ الدَّعْوَةَ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ»(١٨).

وقَدْ شَرَحَ الإمامُ ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ في «مفتاح دار السعادة» هذا النصَّ شرحًا دقيقًا قيِّمًا بقوله: «وقولُه: «ثَلَاثٌ لَا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ...» أي: لا يحمل الغِلَّ ولا يبقى فيه مع هذه الثلاثة؛ فإنها تَنْفي الغلَّ والغشَّ ومُفْسِداتِ القلبِ وسَخائِمَه.

فالمُخْلِصُ لله إخلاصُه يمنع غِلَّ قلبه، ويُخْرِجُه ويزيلُه جملةً؛ لأنه قد انصرفَتْ دواعي قلبه وإرادته إلى مرضاة ربِّه؛ فلم يَبْقَ فيه موضعٌ للغلِّ والغِشِّ كما قال تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ لِنَصۡرِفَ عَنۡهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلۡفَحۡشَآءَۚ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُخۡلَصِينَ٢٤[يوسف]، فلمَّا أَخْلَصَ لربِّه صَرَفَ عنه دواعيَ السوءِ والفحشاء؛ فانصرف عنه السوءُ والفحشاءُ؛ ولهذا لَمَّا عَلِمَ إبليسُ أنه لا سبيلَ له على أهلِ الإخلاص استثناهم مِنْ شَرْطَتِه التي اشترطها للغواية والإهلاك، فقال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ٨٢ إِلَّا عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِينَ٨٣[ص]، قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيۡسَ لَكَ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٌ إِلَّا مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡغَاوِينَ٤٢[الحِجْر]، فالإخلاصُ هو سبيلُ الخلاص، والإسلامُ هو مَرْكَبُ السلامة، والإيمانُ خاتَمُ الأمان.

وقولُه: «وَمُنَاصَحَةُ أَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ»: هذا ـ أيضًا ـ مُنافٍ للغِلِّ والغشِّ؛ فإنَّ النصيحة لا تُجامِعُ الغِلَّ إذ هي ضدُّه؛ فمَنْ نَصَحَ الأئمَّةَ والأمَّة فقَدْ بَرِئَ مِنَ الغِلِّ.

وقولُه: «وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ»: هذا ـ أيضًا ـ مِمَّا يُطهِّر القلبَ مِنَ الغِلِّ والغشِّ؛ فإنَّ صاحِبَه ـ لِلُزومه جماعةَ المسلمين ـ يحبُّ لهم ما يحبُّ لنفسه، ويكره لهم ما يكره لها، ويسوؤه ما يسوؤهم، ويسرُّه ما يسرُّهم.

وهذا بخلافِ مَنِ انحاز عنهم واشتغل بالطعن عليهم والعيبِ والذمِّ لهم، كفعلِ الرافضة والخوارج والمعتزلة وغيرِهم؛ فإنَّ قلوبَهم مُمتلِئةٌ غِلًّا وغِشًّا؛ ولهذا تجد الرافضةَ أَبْعَدَ الناسِ مِنَ الإخلاص، وأَغَشَّهم للأئمَّة والأمَّة، وأشدَّهم بُعْدًا عن جماعة المسلمين.

فهؤلاء أشدُّ الناس غِلًّا وغِشًّا بشهادةِ رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم والأمَّةِ عليهم، وشهادتِهم على أنفسهم بذلك؛ فإنهم لا يكونون قطُّ إلَّا أعوانًا وظَهرًا على أهل الإسلام، فأيُّ عدوٍّ قام للمسلمين كانوا أعوانَ ذلك العدوِّ وبِطانَتَه.

وهذا أمرٌ قد شَاهَدَتْهُ الأمَّةُ منهم، ومَنْ لم يُشاهِدْ فقَدْ سَمِع منه ما يُصِمُّ الآذانَ ويُشْجِي القلوبَ.

وقولُه: «فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ» هذا مِنْ أَحْسَنِ الكلام وأوجزِه وأفخمِه معنًى، شبَّه دعوةَ المسلمين بالسُّور والسِّياجِ المحيطِ بهم، المانعِ مِنْ دخول عدوِّهم عليهم، فتلك الدعوةُ التي هي دعوةُ الإسلام وهُم داخلونها، لَمَّا كانت سُورًا وسِيَاجًا عليهم أَخبرَ أنَّ مَنْ لَزِم جماعةَ المسلمين أحاطَتْ به تلك الدعوةُ التي هي دعوةُ الإسلام كما أحاطَتْ بهم، فالدعوةُ تجمع شَمْلَ الأمَّةِ وتَلُمُّ شَعَثَها وتحيط بها؛ فمَنْ دَخَلَ في جماعتها أحاطَتْ به وشَمِلَتْه»(١٩).

وعليه؛ فإنَّ مذكوراتِ الحديث الثلاثَ ـ يعني: إخلاصَ العمل، ومناصحةَ أولي الأمر، ولزومَ جماعة المسلمين ـ تجمع أصولَ الدِّين وقواعدَه، وتجمع الحقوقَ التي لله ولعباده، وتنتظم بها مَصالِحُ الدنيا والآخرةِ، على ما أَوْضَحَ شيخُ الإسلام ابنُ تيميَّة ـ رحمه الله تعالى ـ بقوله: «وبيانُ ذلك أنَّ الحقوق قسمان: حقٌّ لله وحقٌّ لعباده:

فحقُّ اللهِ أَنْ نعبده ولا نُشْرِك به شيئًا... وهذا معنى إخلاص العمل لله.

وحقوق العباد قسمان: خاصٌّ وعامٌّ:

أمَّا الخاصُّ فمثلُ بِرِّ كُلِّ إنسانٍ والدَيْه، وحقِّ زوجته وجارِه، فهذه مِنْ فروع الدِّين؛ لأنَّ المكلَّف قد يخلو عن وجوبها عليه، ولأنَّ مصلحتها خاصَّةٌ فرديَّةٌ.

وأمَّا الحقوق العامَّة فالناسُ نوعان: رُعَاةٌ ورعيَّةٌ؛ فحقوق الرُّعاة: مناصحتُهم، وحقوقُ الرعيَّة: لزومُ جماعتهم؛ فإنَّ مصلحتهم لا تتمُّ إلَّا باجتماعهم، وهم لا يجتمعون على ضلالةٍ، بل مصلحةُ دِينهم ودُنْياهم في اجتماعهم واعتصامِهم بحبل الله جميعًا.

فهذه الخصالُ تجمع أصولَ الدِّين» اﻫ(٢٠).

لذلك كان الخروجُ على الأئمَّة ـ وإِنْ جاروا ـ مُحْدَثًا ومُنكَرًا، وقد نَطَقَتِ الأحاديثُ بوجوب لزوم جماعة المسلمين وإمامهم؛ فإنَّ الخروج عليهم والافتِيَاتَ عليهم معصيةٌ ومُشاقَّةٌ لله ورسوله، ومُخالَفةٌ لِمَا عليه أهلُ السُّنَّة والجماعة.

قال شيخ الإسلام ابنُ تيميَّة ـ رحمه الله ـ في «مجموع فتاويه»: «وأمَّا أهل العلم والدِّين والفضل فلا يرخِّصون لأحدٍ فيما نهى اللهُ عنه مِنْ معصيةِ وُلَاة الأمور وغِشِّهم والخروجِ عليهم بوجهٍ مِنَ الوجوه، كما قد عُرِف مِنْ عاداتِ أهلِ السُّنَّة والدِّين قديمًا وحديثًا ومِنْ سيرةِ غيرِهم»(٢١).

هذا، والطريق الأسلمُ والمنهج الأوفقُ الذي يتحقَّق به معنى التغيير يكمن في السير بالدعوة إلى الله على منهاج النبوَّة بتصحيح العقيدة وتصفِيَتِها مِنْ كُلِّ الشوائب العالقةِ بها والمُنافِيَةِ لعقيدة أهل الحقِّ، وترسيخها بتربية الأنفس والأهل على هذا الدِّين، والدعوةِ للعمل بأحكامه بالأسلوب الذي أَمَرنا تعالى أَنْ ندعوَ به في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ[النحل: ١٢٥]؛ ذلك لأنَّ اللين في الأسلوبِ والموعظةَ الحسنة في مجال الدعوة والتعليم والإعلام والنصح(٢٢) مِنْ أهمِّ أسباب حصول انتفاعِ العوامِّ بدعوة الدعاة وتعليمِهم وإرشادهم، بخلاف التغليظ في القول، والزجرِ في الأسلوب، والتبكيتِ في الدعوة والتعليم، فلا نتائجَ وافرةَ ومفيدةَ مِنْ ورائه مرجوَّة، قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ[آل عمران: ١٥٩]، وقال تعالى لموسى وهارون عليهما السلام حين أرسلهما إلى فرعون: ﴿فَقُولَا لَهُۥ قَوۡلٗا لَّيِّنٗا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوۡ يَخۡشَىٰ٤٤[طه]، كما أنَّ المطلوب الاتِّصافُ بأخلاقِ هذا الدِّينِ والتحلِّي بآدابه عملًا بقوله تعالى: ﴿وَلَٰكِن كُونُواْ رَبَّٰنِيِّ‍ۧنَ بِمَا كُنتُمۡ تُعَلِّمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ وَبِمَا كُنتُمۡ تَدۡرُسُونَ٧٩[آل عمران]، وبقوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ٣[العصر]، وبقوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ[المائدة: ٢]؛ فإنَّ تكريسَ هذه الدعوةِ سلوكًا ومنهجًا يؤدِّي بطريقٍ أو بآخَرَ إلى تحقيقِ تغييرِ ما بالأنفس على ما يُوافِق الشرعَ ليحصل مع المطلوبِ ما وَعَدَ به اللهُ تعالى في قوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ[الرعد: ١١]، هذا الأمرُ الذي كان عليه سبيلُ الدعوةِ أيَّامَ الرسالة، قال تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُزَكِّيهِمۡۖ[البقرة: ١٢٩].

ومِنْ هنا يُدْرَك أنَّ طريق الدعوةِ إلى الله إنما يكون بالحكمة والموعظة الحسنة والصبرِ على مَشاقِّها دون عجلةٍ مورِّطةٍ في الفساد والإفساد، التي مآلُها الحرمان على ما تقرَّر في القواعد أنَّ: «مَنْ تَعَجَّلَ الشَّيْءَ قَبْلَ أَوَانِهِ عُوقِبَ بِحِرْمَانِهِ»(٢٣)؛ فيحتاج الأمرُ إلى ثباتٍ وتضحيةٍ واستقامةٍ وأملٍ بالله ويقينٍ، قال تعالى: ﴿وَجَعَلۡنَا مِنۡهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا لَمَّا صَبَرُواْۖ وَكَانُواْ بِ‍َٔايَٰتِنَا يُوقِنُونَ٢٤﴾ [السجدة]؛ فالإمامةُ في الدِّين إنما تُنال بالصبر واليقين؛ فإنَّ تحمُّل الأمانةِ بالوجه المطلوب شرعًا نصرةٌ لدِينِ الله، مع الثقة الكاملة بأنَّ نَصْرَ الله آتٍ لمَنْ نَصَرَ دِينَه يقينًا على الوجه الذي أَمَرَ به الشرعُ، قال تعالى: ﴿إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ٧[محمَّد]، وقال تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓۚ﴾ [الحجّ: ٤٠]، كما أنه يؤدِّي إلى تمكينِ الدِّين المرتضى لعباده الصالحين، كما وَعَدَ المولى عزَّ وجلَّ عليه غايةَ العزَّة فقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ[المنافقون: ٨]، وقال تعالى: ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡ‍ٔٗاۚ[النور: ٥٥].

أمَّا نزعُ اليد عن الطاعة بالخروج عليهم إذا لم نَرَ كفرًا بواحًا عندنا فيه مِنَ الله برهانٌ، مع لزومِ الأخذ بعين الاعتبار قاعدةَ: «دَرْءُ المَفَاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ المَصَالِحِ»، فإنه فضلًا عن كونه يُخالِف النصوصَ الشرعيَّة الكثيرةَ الآمرةَ بالطاعة وعدمِ نزعِ اليد عنهم وإِنْ جاروا، والآمرةَ ـ أيضًا ـ بتغييرِ ما بالأنفس، فإنَّ هذا العمل يجرُّ مَفاسِدَ شتَّى، وهي أعظمُ مِمَّا يحصل مِنْ جَوْرِ ولاة الأمر وظُلْمهم على ما هو ظاهرٌ للعيان، كما أنَّ هذا الطريقَ ـ مِنْ جهةٍ ثالثةٍ ـ ينعكس سلبًا على سيرِ الدعوةِ إلى الله تعالى، معطِّلٌ لسبيلها، ويزيد على الأمَّةِ همومًا أخرى وفِتَنًا وشرورًا ومَصائِبَ تهدم شوكتَها وتُضْعِف قوَّتَها وتخدم أعداءَها، والتاريخ يشهد على هذه الفتنِ قديمًا وحديثًا، «والسعيدُ مَنْ وُعِظ بغيره»، كُلُّ ذلك يرجع إمَّا إلى الغلوِّ والإفراط، أو إلى التقصير والتفريط، كما أَفصحَ عنه ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ بقوله: «ودِينُ الله وسطٌ بين الجافي عنه والغالي فيه، كالوادي بين جبلين، والهدى بين ضلالتين، والوسطِ بين طرفين ذميمين، فكما أنَّ الجافيَ عن الأمر مضيِّعٌ له فالغالي فيه مضيِّعٌ له، هذا بتقصيره عن الحدِّ، وهذا بتجاوُزه الحدَّ»(٢٤).

وليس معنى عدمِ نزعِ اليد عن طاعتهم إقرارَهم على الباطل والرضا عنهم بما هم فيه مِنَ المُنكَر، فالباطلُ يبقى مذمومًا، والمنكر يبقى على صفته بغضِّ النظر عن فاعلِه محكومًا كان أو حاكمًا، لا نرضى عن الأفعال المستقبَحة شرعًا ولا نحبُّها، كما نبغض الصنائعَ المُستبشَعة؛ ذلك لأنَّ «الرِّضَا بِالفِعْلِ كَالفِعْلِ إِثَابَةً وَعِقَابًا، وَإِنْ تَجَرَّدَ عَنِ العَمَلِ وَالقَصْدِ»، ويدلُّ عليه قولُه تعالى في شأن اليهود: ﴿وَقَتۡلَهُمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ[آل عمران: ١٨١]، أي: ونكتب قَتْلَهم الأنبياءَ، أي: رضاهم بالقتل، والمرادُ قتلُ أسلافِهم الأنبياءَ، لكِنْ لَمَّا رَضُوا بذلك صحَّتِ الإضافةُ إليهم، وحسَّن رجلٌ عند الإمام الشعبيِّ قَتْلَ عثمانَ بنِ عفَّان رضي الله عنه فقال له الشعبيُّ: «شَرِكتَ في دمه»(٢٥)، فجَعَلَ الرضا بالقتل قتلًا.

وليس ذلك إلَّا لأنَّ الرِّضا بالمعصية معصيةٌ، ويؤيِّد ذلك قولُه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «إِذَا عُمِلَتِ الخَطِيئَةُ فِي الأَرْضِ كَانَ مَنْ شَهِدَهَا فَكَرِهَهَا ـ وَقَالَ مَرَّةً: أَنْكَرَهَا ـ كَانَ كَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَهَا كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا»(٢٦)، وهذا يدلُّ على أنَّ الراضيَ بالفعل كالفاعل وإِنْ لم تتحرَّك جوارحُه بفعله.

وعليه، فإنَّ النصح آكدٌ في وجوبِ عودةِ المُفارِق للجماعة إلى رحاب الجماعة، باستئنافِ الحياة العاديَّة وتركِ ما كان عليه مِنَ الفساد والإفساد؛ فإنَّ ذلك مِنْ أوجبِ الواجبات وأسمى المَهَمَّات، وإفسادُ الدِّين أقوى وأعظمُ مِنْ إفساد النفس.

علمًا أنَّ البقاء على ما هم عليه يُفْضي إلى مَفاسِدَ أخرى نخشى عواقبَها، منها: خشيةُ التراجع عن التوبة والعودة إلى القتال، وذلك مُخالِفٌ لقواعدِ الدِّين وأصولِ الشريعة كما تقدَّم، ومِنَ المَخاوِف ـ أيضًا ـ اغترارُ بعضِ الناس مِمَّنْ تأذَّى ولم يصبر على الأذى أَنْ يلتحق بهم، ففي الحديث: «وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا»(٢٧).

ومِنَ المَخاوِف الحاصلة ـ حقًّا ـ: انتقالُهم مِنْ أهل البغي إلى مُحارِبين؛ ذلك لأنَّ شأنَ أهلِ البغي أنه تجتمع فيهم صفةُ الخروجِ عن طاعة الحاكم، ويرومون خَلْعَه وتنحِيَتَه عن مَنْصِب الإمامة لتأويلٍ سائغٍ مع ما هم فيه مِنْ مَنَعَةٍ وشوكةٍ وقوَّةٍ يحتاج الحاكمُ معها في ردِّهم للطاعة إلى إعدادِ رجالٍ ومالٍ وقتالٍ، فأهلُ البغي هم مسلمون مُخالِفون لإمام الجماعة، ودليلُه قولُه تعالى:  ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱقۡتَتَلُواْ[الحجرات: ٩]، فقَدِ اتَّفق العلماءُ على أنَّ الفئة الباغية لا تخرج عن الإسلام ببغيها؛ لأنَّ القرآن وَصَفها بالإيمان مع مُقاتَلتها للطائفة العادلة، وحكمُها أَنْ لا ضمانَ على البغاة فيما أتلفوه خلال القتالِ والحربِ مِنْ نفسٍ أو مالٍ؛ فلا يُقْتَل مُدْبِرُهم، ولا يُجْهَز على جريحهم، ولا تُغْنَم أموالُهم، ولا تُسبى نساؤُهم وذراريهم، وأنَّ مَنْ قُتِل منهم غُسِّل وكُفِّن وصُلِّيَ عليه.

وبالمُقابِل، فإنَّ الطائفة المقاتِلة مع الإمام لا يضمنون ـ في قتالهم ـ ما يُتْلِفونه مِنْ نفسٍ أو مالٍ ولا ما يصيبونه منهم مِنْ جراحاتٍ؛ قال ابنُ قدامة ـ رحمه الله ـ: «قال الإمام الزهريُّ(٢٨): «كانَتِ الفتنةُ العظمى بين الناس وفيهم البدريون، فأجمعوا على أَنْ لا يُقام حدٌّ على رجلٍ ارتكب فَرْجًا حرامًا بتأويلِ القرآن، ولا يُغَرَّمَ مالًا أتلفه بتأويل القرآن»، ولأنها طائفةٌ مُمتنِعةٌ بالحرب بتأويلٍ سائغٍ فلم تَضْمَن ما أتلفَتْ على الأخرى كأهل العدل، ولأنَّ تضمينهم يُفْضي إلى تنفيرهم عن الرجوع إلى الطاعة فلا يُشْرَع كتضمينِ أهل الحرب»(٢٩)، وعلى هذا انعقد إجماعُ الصحابةِ كما دلَّ عليه كلامُ الإمام الزهريِّ، والإجماعُ حجَّةٌ واجبةُ الأخذِ بموجَبها.

أمَّا إذا اختلَّتْ صفاتُ أهل البغي كأَنْ تضعف قوَّتُهم، ويتفرَّق جمعُهم، أو انتفى تأويلُهم، أو بقي عندهم تأويلٌ فاسدٌ؛ فإنهم مُؤاخَذون بما يفعلونه، ويضمنون ما يُتْلِفونه مِنْ نفسٍ ومالٍ؛ لأنَّ المَنَعَة والشوكة بتجمُّعهم، فإذا انعدمَتِ انعدمَتِ الولايةُ، ويبقى مجرَّد تأويلٍ فاسدٍ لا يُعْتَدُّ به، كالخروج مِنْ أجل الدنيا أو للحصول على الرئاسة ومنازَعةِ أُولي الأمر أو لعصبيَّته، فهذا الخروجُ يُعتبَر مُحارَبةً، ويكون للمُحارِبين حكمٌ آخَرُ يُخالِف حُكْمَ الباغين(٣٠)، وهو الواردُ في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓاْ أَوۡ يُصَلَّبُوٓاْ أَوۡ تُقَطَّعَ أَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ أَوۡ يُنفَوۡاْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِۚ ذَٰلِكَ لَهُمۡ خِزۡيٞ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ٣٣ إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبۡلِ أَن تَقۡدِرُواْ عَلَيۡهِمۡۖ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ٣٤﴾ [المائدة].

فدلَّ هذا على سقوط الحدِّ عن التائبين منهم قبل القدرة عليهم ـ أي: قبل القبض عليهم ـ مِنْ هذه العقوبة؛ ذلك لأنَّ هذا الحدَّ ثَبَتَ حقًّا لله تعالى، فيسقط بتوبتهم قبل القدرة عليهم لا بعدها، غيرَ أنَّ حقوق الآدميِّين لا تسقط عن المُحارِبين كالقصاص وضمان الأموال، إلَّا إذا عفا عنهم أصحابُ الحقِّ، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم، بخلاف أهل البغي فإنهم لا يضمنون ما أتلفوه مِنْ مالٍ أو نفسٍ على ما تقدَّم.

فهذا موقفُ أهل السُّنَّة والجماعة: يُقابِلون جَوْرَ السلطان بالصبر والاحتساب، ولا يُقْدِمون على شيءٍ مِنَ المنهيَّات مِنْ حملِ السلاح أو إثارةِ فتنةٍ أو نزعِ يدٍ عن طاعةٍ، تحكيمًا للنصوص والآثار؛ لئلَّا تتخطَّفهم الشُّبَهُ ويستزلَّهم الشيطانُ، بل يَعْزُون ما حلَّ بهم مِنْ جَوْرٍ إلى فسادِ أعمالهم، و«الجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ العَمَلِ»(٣١)، قال تعالى: ﴿وَمَآ أَصَٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٖ فَبِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَيَعۡفُواْ عَن كَثِيرٖ٣٠[الشورى]، فيجتهدون في الاستغفار والتوبة وإصلاحِ العمل، ويسألون اللهَ عزَّ وجلَّ كَشْفَ ما بهم مِنْ ضرٍّ، ﴿مَّآ أَصَابَكَ مِنۡ حَسَنَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٖ فَمِن نَّفۡسِكَۚ[النساء: ٧٩].

وأمَّا الاستدلال بحديثِ أبي واقدٍ الليثيِّ في «قصَّةِ النَّفَر الذين سألوا رسولَ الله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم أَنْ يجعل لهم ذاتَ أنواطٍ كما لهم ذاتُ أنواطٍ»(٣٢) على عدمِ اشتراطِ أَنْ يكون كُلُّ المجاهدين عارفين بدِينهم وعقيدتهم؛ فغيرُ ناهضٍ مِنْ وجوهٍ:

الوجه الأوَّل: لا يظهر مِنْ هذه القصَّةِ أنَّ الصحابة أرادوا عبادةَ هذه الشجرةِ مِنْ دون الله، ولكن لحداثة عهدهم بالإسلام ظنُّوا أنَّ اتِّخاذ شجرةٍ ليعلِّقوا عليها أسلحتَهم وليتبرَّكوا بها لا ينافي التوحيدَ، فلم يكن قصدُهم عبادةَ الشجرة ـ كما يفعله القبوريُّون ـ لذلك بيَّن لهم أنَّ طَلَبَهم يُضادُّ التوحيدَ، فهو بِمَنْزلةِ الشرك الصريح وإِنْ خَلَا طلبُهم مِنْ صلاةٍ أو صيامٍ أو صدقةٍ.

فالقصَّة تفيد ـ إذن ـ لزومَ التعلُّم والتحرُّزِ في السفر والحَضَر، لئلَّا يقع الموحِّدُ العالمُ ـ فضلًا عن العامِّيِّ ـ في أنواع الشرك مِنْ حيث لا يدري.

الوجه الثاني: أنَّ الحديث يدلُّ على أنَّ بقيَّة الصحابةِ الذين كانوا مع النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم في غزوته ـ وهُم الغالبُ ـ لم يتعلَّقوا بهذه العادةِ الشركيَّة الباطلة، وإِنْ وُجِد عند نفرٍ منهم على ظنِّ أنَّ ذلك حَسَنٌ فلكونهم حُدَثاءَ عهدٍ بالكفر وقرِيبِي عهدٍ بالشرك، ولا يخفى أنَّ المتنقِّل مِنْ عاداتٍ قبيحةٍ أو باطلةٍ اعتاد عليها وتعلَّق بها قلبُه لا يأمن أَنْ يستصحبَ بقاياها، ومع ذلك فوجودُه في آحادِهم لا يضرُّ لعدمِ اتِّساعه بقيامِ داعي تصفيةِ ما عَلِقَ بهم مِنْ عادةٍ شركيَّةٍ باطلةٍ بسدِّ الذرائع إليها، فضلًا عن تعليمهم لدِينهم وتربِيَتِهم على التوحيد السليم.

الوجه الثالث: ولأنَّ غزوة حُنَيْنٍ إنما كانَتْ في أُخْرَيات غزواته صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم، وبالضبط في شوَّالٍ مِنْ سَنَةِ ثمانٍ مِنَ الهجرة قبل وفاته صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم بحوالَيْ ثلاث سنواتٍ تقريبًا، ومعلومٌ في فقه السيرة أنَّ أُسُسَ المجتمع الإسلاميِّ الربَّانيِّ الراشدِ قد اكتملَتْ دعائمُه وأُقِيمَ بناؤه، ولو وُجِدَتْ بقايا مِنْ عاداتٍ باطلةٍ فهي آيلةٌ إلى الزهوق والزوال، ولا تأثيرَ لها على صلاحِ القاعدة المؤسَّسةِ على تقوى مِنَ الله والاعتصامِ بحبله المتين.

ومِنْ ناحيةٍ أخرى؛ فالقصَّة تُفيد أنَّ أَمْرَ الجهاد إنما يكون مع أُولي الأمر مِنَ المسلمين، كما هو واضحٌ مِنْ ذات القصَّة، فضلًا عن وضوحِ الراية الشرعيَّة وسابِقيَّةِ التربية الربَّانيَّة مِنَ العُدَّة الإيمانيَّة والمادِّيَّة لتحقيقِ إقامةِ شرعِ الله تعالى، ﴿حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِۚ[الأنفال: ٣٩].

وأخيرًا، فإنَّ الصبر على ولاة الأمور ـ وإِنْ جاروا ـ مِنْ عزائمِ الدِّين، ومِنْ وَصَايَا الأئمَّةِ الناصحين.

وأسأل اللهَ عزَّ وجلَّ أَنْ يثبِّت الصالحَ على ما هو عليه، وأَنْ يَهْدِيَ الضالَّ للرجوع عمَّا كان عليه، وأَنْ يتقبَّل توبةَ الفاسق ورجوعَ الضائع، وأَنْ يفتح علينا جميعًا بالاعتصام بحبله المتين، وأَنْ يقوِّيَنا على طاعته، ويُعينَنا على التعاونِ على البرِّ والتقوى، والتواصي بالحقِّ والصبر، وسيجعل اللهُ بعد عُسْرٍ يُسْرًا؛ إنه وليُّ ذلك والقادرُ عليه.

 



(١) انظر: «فتح الباري» لابن حجر (١٣/ ٧).

(٢) انظر: «شرح مسلم» للنووي (١١/ ٢٢٩).

(٣) انظر: «الدُّرَر السنيَّة في الأجوبة النجدية» (٧/ ٢٣٩).

(٤) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الفِتَن» بابُ قولِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «سَتَرَوْنَ بَعْدِي أُمُورًا تُنْكِرُونَهَا» (٧٠٥٣، ٧٠٥٤)، ومسلمٌ في «الإمارة» (١٨٤٩)، مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما.

(٥) انظر: «العُزْلة» للخطَّابي (٥٧).

(٦) «منهاج السُّنَّة النبوية» لابن تيمية (٥/ ١٣٤).

(٧) انظر: «تفسير الطبري» (٥/ ١٥٠).

(٨) أخرجه مسلمٌ في «الإمارة» (١٨٤٧) مِنْ حديثِ حُذَيْفةَ ابنِ اليَمان رضي الله عنهما.

(٩) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الجهاد والسِّيَر» بابُ السمع والطاعة للإمام (٢٩٥٥) وفي «الأحكام» باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصيةً (٧١٤٤)، ومسلمٌ في «الإمارة» (١٨٣٩)، مِنْ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما.

(١٠) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الأحكام» بابُ السمعِ والطاعة للإمام ما لم تكن معصيةً (٧١٤٥)، ومسلمٌ في «الإمارة» (١٨٤٠)، مِنْ حديثِ عليِّ ابنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه.

(١١) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الأدب» باب: مَنْ كفَّر أخاه بغيرِ تأويلٍ فهو كما قال (٦١٠٥)، ومسلمٌ في «الإيمان» (١١٠)، مِنْ حديثِ ثابت بنِ الضحَّاك رضي الله عنه.

(١٢) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الإيمان» بابُ خوفِ المؤمن أَنْ يَحْبَط عملُه وهو لا يشعر (٤٨)، ومسلمٌ في «الإيمان» (٦٤)، مِنْ حديثِ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه.

(١٣) أخرجه الترمذيُّ في «البرِّ والصلة» بابُ ما جاء في اللعنة (١٩٧٧) مِنْ حديثِ عبد الله بنِ مسعودٍ رضي الله عنه. وصحَّحه الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (٣٢٠).

(١٤) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «فرض الخُمُس» باب: ومِنَ الدليل على أنَّ الخُمُس لنوائب المسلمين (٣١٣٨)، ومسلمٌ في «الزكاة» (١٠٦٣)، مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما.

(١٥) أخرجه البغويُّ في «حديث عليِّ بنِ الجعد» (٢٢٣٩)، وابنُ سعدٍ في «الطبقات الكبرى» (٣/ ٥٨)، مِنْ حديثِ كِنانةَ مولى صفيَّةَ قال: «رأيتُ قاتِلَ عثمان في الدار رجلًا أسودَ مِنْ أهلِ مِصْرَ يُقالُ له: جَبَلَةُ باسِطَ يديه ـ أو قال: رافِعَ يديه ـ يقول: أنا قاتلُ نعثلٍ».قال ابنُ الأثير في «النهاية» (٥/ ٨٠): «كان أعداءُ عثمان رضي الله عنه يُسَمُّونه نعثلًا تشبيهًا برجلٍ مِنْ مِصْرَ كان طويلَ اللحية اسْمُه: نعثلٌ، وقِيلَ: النعثل: الشيخُ الأحمق وذَكَرُ الضِّبَاع».

(١٦) «شرح السُّنَّة» للبربهاري (٦٠).

(١٧) «لا يُغِلُّ»: بالضمِّ مِنَ الإغلال وهو الخيانة، وبالفتح مِنَ الغِلِّ وهو الحقدُ والشحناء، أي: لا يَدخلُه حقدٌ يُزيلُه عن الحقِّ، ويُروى: «يَغِلُ» بالتخفيف مِنَ الوغل، أي: الدخول في الشرِّ [انظر: «النهاية» لابن الأثير (٣/ ٣٨١)]؛ والمعنى: أنَّ هذه الخِلالَ الثلاثَ تَستصلِحُ القلوبَ، فمَنْ تمسَّك بها طَهُرَ قلبُه مِنَ الشرِّ.

(١٨) أخرجه الترمذيُّ في «العلم» بابُ ما جاء في الحثِّ على تبليغ السماع (٢٦٥٨) مِنْ حديثِ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه، وابنُ ماجه في «المقدِّمة» بابُ مَنْ بلَّغ علمًا (٢٣٠) مِنْ حديثِ زيد بنِ ثابتٍ رضي الله عنه، وفي «المناسك» باب الخُطْبة يومَ النحر (٣٠٥٦) مِنْ حديثِ جُبَيْر ابنِ مُطْعِمٍ رضي الله عنه. قال الترمذيُّ: «حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ»؛ قال ابنُ رجبِ في «جامع العلوم والحِكَم» (١/ ٢١٧): «إسنادٌ جيِّدٌ»، وصحَّحه ابنُ حجرٍ في «مُوافَقةِ الخُبْرِ الخَبَرَ» (١/ ٣٦٤)، وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٦٧٦٦) وفي «السلسلة الصحيحة» (١/ ٧٦٠) رقم: (٤٠٤)؛ وروى هذا الأصلَ بضعةٌ وعشرون صحابيًّا، وهو معدودٌ مِنَ المُتواتِر كما بيَّنه الكتَّانيُّ في «نظم المُتناثِر» (٢٤ ـ ٢٥)؛ وروايةُ: «طَاعَةُ ذَوِي الأَمْرِ»: أخرجها أحمد (١٦٧٥٤)، والدارميُّ في «سُنَنه» باب الاقتداء بالعُلَماء (١/ ٨٦)، مِنْ حديثِ جُبَيْرِ ابنِ مُطْعِمٍ رضي الله عنه.

(١٩) «مفتاح دار السعادة» لابن القيِّم (١/ ٢٧٧ ـ ٢٧٨).

(٢٠) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١/ ١٨ ـ ١٩).

(٢١) المصدر السابق (٣٥/ ١٢).

(٢٢) هذا الأسلوبُ إنما يُتَوَخَّى في المجال الدعويِّ والتعليميِّ والإعلاميِّ أو في إطار النصيحة؛ أمَّا مَنْ ظهَرَتْ بدعتُه واستقرَّتْ، وقامَتْ دعوتُه عليها ونافَحَ عنها، ونُوصِحَ ولم يرجع؛ فالمعروفُ مِنْ مذهب السلف أنه يجب زجرُه بهجره، والتحذيرُ منه حتمٌ لازمٌ.

(٢٣) انظر هذه القاعدةَ في: «الأشباه والنظائر» لابن الوكيل (١/ ٣٥٠)، «المنثور» للزركشي (٢/ ٢٩٧)، «الأشباه والنظائر» للسيوطي (١٥٢)، «إيضاح المسالك» للونشريسي (٣١٥)، «قواعد ابنِ رجب» (٢٣٠)، «الأشباه والنظائر» لابن السبكي (١/ ١٧٠).

(٢٤) «مدارج السالكين» لابن القيِّم (٢/ ٤٩٦).

(٢٥) انظر: «تفسير القرطبي» (٤/ ٢٩٤).

(٢٦) أخرجه أبو داود في «المَلاحِم» باب الأمر والنهي (٤٣٤٥) مِنْ حديثِ العُرْس بنِ عَمِيرةَ الكِنْديِّ رضي الله عنه. والحديث حسَّنه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٦٨٩) و«المشكاة» (٥١٤١).

(٢٧) أخرجه مسلمٌ في «العلم» (٢٦٧٤) مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٢٨) هو أبو بكرٍ محمَّدُ بنُ مسلم بنِ عبيد الله ابنِ عبد الله بنِ شهابٍ الزُّهْرِيُّ القُرَشيُّ المَدَنيُّ، نَزيلُ الشام، أحَدُ التابعين الأعلام المشهورين بالإمامة والجلالة، كان حافِظَ زمانِه، عالمًا في الدِّين والسياسة، انتهَتْ إليه رئاسةُ العلم في وقته، له رواياتٌ كثيرةٌ. تُوُفِّيَ سَنَةَ: (١٢٤ﻫ ـ ٧٤١م).انظر مصادِرَ ترجمَتِه في مؤلَّفي: «الإعلام بمنثور تراجم المشاهير والأعلام» (٣٨٥).

(٢٩) «المغني» لابن قدامة (٨/ ١١٣)، وانظر: «المجموع» للنووي (١٩/ ٢٠٨)، و«نيل الأوطار» للشوكاني (٧/ ١٩٧).

(٣٠) انظر: «مغني المحتاج» للشربيني (٤/ ١٢٤)، و«حاشية الدسوقي» (٤/ ٣٠٠).

(٣١) هي قاعدةٌ مُطَّرِدةٌ شَهِد لها القرآنُ والسُّنَّةُ في مَواضِعَ كثيرةٍ منها: قولُه تعالى: ﴿وَجَزَٰٓؤُاْ سَيِّئَةٖ سَيِّئَةٞ مِّثۡلُهَاۖ[الشورى: ٤٠]، وقولُه تعالى: ﴿فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَٱعۡتَدُواْ عَلَيۡهِ بِمِثۡلِ مَا ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡۚ[البقرة: ١٩٤]، وقولُه تعالى: ﴿وَإِنۡ عَاقَبۡتُمۡ فَعَاقِبُواْ بِمِثۡلِ مَا عُوقِبۡتُم بِهِۦۖ[النحل: ١٢٦]، وقولُه تعالى: ﴿جَزَآءٗ وِفَاقًا٢٦[النبأ]، أي: وَفْقَ أعمالهم. [انظر: «إعلام الموقِّعين» لابن القيِّم (١/ ١٩٦)].

(٣٢) أخرجه الترمذيُّ في «الفِتَن» بابُ ما جاء: «لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» (٢١٨٠)، وقال: «حَسَنٌ صحيحٌ»، وأحمد في «مسنده» (٢١٨٩٧)، والطبرانيُّ ـ واللفظُ له ـ في «المعجم الكبير» (٣/ ٢٤٤)، مِنْ حديثِ أبي واقدٍ الليثيِّ رضي الله عنه. وصحَّحه الألبانيُّ في «المشكاة» (٥٤٠٨).