في حكم المسكن والنفقة للمطلَّقة ثلاثًا | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
السبت 4 شوال 1445 هـ الموافق لـ 13 أبريل 2024 م



الفتوى رقم: ١٠٨٤

الصنف: فتاوى الأسرة ـ انتهاء عقد الزواج ـ الطلاق

في حكم المسكن والنفقة للمطلَّقة ثلاثًا

السؤال:

بعد أَنْ عرَفْنا ـ شيخَنا المُحترَمَ ـ مِنْ خلالِ فتواكم رقم: (١٠٨٠) الموسومةِ ﺑ «في عِدَّةِ المطلَّقةِ ثلاثًا»(١): أنَّه يجب على المرأةِ المطلَّقةِ ثلاثًا عِدَّةٌ كحالِها فِي الطَّلقةِ الأولى والثَّانيةِ بلا فرقٍ، ظَهَر لنا أَنْ نسألَكم عن حكمِ هذه المطلَّقةِ في الثَّالثة: هل لها حقٌّ في المسكنِ والنَّفقة ـ أيضًا ـ؟ وجزاكم اللهُ خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالمطلَّقةُ طلاقًا بائنًا ـ وهي غيرُ حاملٍ ـ ليس لها سُكنَى ولا نفقةٌ على أَرجحِ مذاهبِ أهلِ العلم، وهو مذهبُ أحمدَ ـ في روايةٍ ـ وداودَ وسائرِ أهلِ الحديث، وبه قال ابنُ عبَّاسٍ وجابرٌ وطائفةٌ مِنَ السَّلف رضي الله عنهم؛ لأنَّ المرأةَ إذا بانَتْ مِنْ زوجِها فهي في حكمِ الأجنبيَّات، لا يجب في حقِّها نفقةٌ؛ لانتفاءِ التَّمكُّنِ مِنَ الاستمتاعِ بها بعد البينونة، فلم يَبْقَ عليها سوى اعتدادِها منه؛ لمكانِ النَّصِّ القاضي بوجوبِ العِدَّةِ عليها ـ كما تقدَّم في الفتوى السابقة ـ.

ويؤيِّد هذا المذهبَ حديثُ فاطمةَ بنتِ قيسٍ رضي الله عنها: «أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلَّقَهَا ألبَتَّةَ وَهُوَ غَائِبٌ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَكِيلُهُ بِشَعِيرٍ فَسَخِطَتْهُ، فَقَالَ: «وَاللهِ مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ»، فَجَاءَتْ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ»»، وفي روايةٍ: «لَا نَفَقَةَ لَكِ وَلَا سُكْنَى»(٢)؛ ولا يخفى أنَّ الحديثَ صريحٌ في مَحَلِّ النِّزاع، وقد جاء عن فاطمةَ بنتِ قيسٍ رضي الله عنها أنَّها قالت: «فَلَمْ يَجْعَلْ لِي سُكْنَى وَلَا نَفَقَةً، وَأَمَرَنِي أَنْ أَعْتَدَّ فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ»(٣).

وهذا الحكمُ فيما إذا لم تكنِ المبتوتةُ حاملًا، فإنْ كانَتْ على هذه الحالِ فإنَّه تجب لها النَّفقةُ؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنَّ أُوْلَٰتِ حَمۡلٖ فَأَنفِقُواْ عَلَيۡهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعۡنَ حَمۡلَهُنَّ[الطَّلاق: ٦]؛ فالآيةُ تُفيدُ ـ بعمومِها ـ وجوبَ النَّفقةِ للحامل، سواءٌ كانَتْ في عِدَّةِ طلاقٍ رجعيٍّ أو كانتْ بائنًا؛ ويقوِّي هذا المعنى قولُه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم لفاطمةَ بنتِ قيسٍ رضي الله عنها: «لَا نَفَقَةَ لَكِ إِلَّا أَنْ تَكُونِي حَامِلًا»(٤).

ولا يُعارِضُ ظاهرُ القرآنِ الكريمِ حديثَ فاطمةَ بنتِ قيسٍ رضي الله عنها في قولِه تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحۡصُواْ ٱلۡعِدَّةَۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ رَبَّكُمۡۖ لَا تُخۡرِجُوهُنَّ مِنۢ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخۡرُجۡنَ إِلَّآ أَن يَأۡتِينَ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖۚ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدۡ ظَلَمَ نَفۡسَهُۥۚ لَا تَدۡرِي لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحۡدِثُ بَعۡدَ ذَٰلِكَ أَمۡرٗا ١ فَإِذَا بَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمۡسِكُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ فَارِقُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٖ وَأَشۡهِدُواْ ذَوَيۡ عَدۡلٖ مِّنكُمۡ وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَ لِلَّهِۚ ذَٰلِكُمۡ يُوعَظُ بِهِۦ مَن كَانَ يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجٗا ٢[الطَّلاق]؛ لأنَّ القرائنَ السِّياقيَّةَ تدلُّ على أنَّ الآيةَ تناولَتِ المُطلَّقةَ الرَّجعيَّةَ وَحْدَها؛ ومِنْ هذه القرائنِ: قولُه تعالى: ﴿لَا تَدۡرِي لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحۡدِثُ بَعۡدَ ذَٰلِكَ أَمۡرٗا ١﴾؛ أي: أنَّه لعلَّ اللهَ يُحدِثُ في قلب المُطلِّق الرَّحمةَ والمودَّةَ بعد الطَّلاقِ وأثناءَ العِدَّةِ في بيتِ الزَّوجيَّةِ فيراجع مَن طَلَّقها ويستأنف عشرتَها، وله الحقُّ فيها دون المبتوتةِ فلا رجعةَ لها(٥)؛ ولقرينةِ الإمساكِ والتَّسريحِ في قولِه تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمۡسِكُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ فَارِقُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٖ﴾؛ ولقرينةِ الإشهادِ على الرَّجعةِ لقوله تعالى: ﴿وَأَشۡهِدُواْ ذَوَيۡ عَدۡلٖ مِّنكُمۡ وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَ لِلَّهِ﴾؛ فهذه الأحكامُ المذكورةُ المتتاليةُ خاصَّةٌ بالمطلَّقةِ الرَّجعيَّةِ وَحْدَها.

وسياقُ قولِه تعالى: ﴿أَسۡكِنُوهُنَّ مِنۡ حَيۡثُ سَكَنتُم مِّن وُجۡدِكُمۡ[الطَّلاق: ٦] في الرَّجعيَّةِ ـ أيضًا ـ كما بيَّنه ابنُ القيِّمِ ـ رحمه الله ـ(٦).

وأمَّا حديثُ فاطمةَ بنتِ قيسٍ رضي الله عنها فمُختَصٌّ بالمبتوتة، فلا نفقةَ لها ولا سُكنَى ما لم تَكُنْ حاملًا، وبهذا ينتفي التَّعارضُ، خاصَّةً مع وضوحِ القرائنِ السِّياقيَّةِ لمَنْ تدبَّرها.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٣ مِنَ المحرَّم ١٤٣٢ﻫ
الموافق ﻟ: ١٩ ديسمبر ٢٠١٠م

 



(١) انظر الفتوى رقم: (١٠٨٠) الموسومة ﺑ: «في عِدَّة المطلَّقة ثلاثًا» على الموقع الرسميِّ.

(٢) أخرجهما مسلمٌ في «الطَّلاق» (١٤٨٠) مِنْ حديثِ فاطمة بنتِ قيسٍ رضي الله عنها.

(٣) أخرجه مسلمٌ في «الطَّلاق» (١٤٨٠) مِنْ حديثِ فاطمة بنتِ قيس رضي الله عنها.

(٤) أخرجه أبو داود في «الطلاق» بابٌ في نفقة المبتوتة (٢٢٩٠)، وبنحوه النسائيُّ في «الطلاق» بابُ نفقة الحامل المبتوتة (٣٥٥٢)، مِنْ حديثِ فاطمة بنتِ قيسٍ رضي الله عنها. وصحَّحه الألبانيُّ في «الإرواء» (٧/ ٢٢٨) رقم: (٢١٦٠).

(٥) وقد احتجَّتْ بها فاطمةُ بنتُ قيسٍ رضي الله عنها على مروانَ بنِ الحَكَمِ لمَّا قال: «لَمْ نَسْمَعْ هَذَا الحَدِيثَ إِلَّا مِنِ امْرَأَةٍ؛ سَنَأْخُذُ بِالعِصْمَةِ الَّتِي وَجَدْنَا النَّاسَ عَلَيْهَا»، بقولِهَا: «فَبَيْنِي وَبَيْنَكُمْ القُرْآنُ؛ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَا تُخۡرِجُوهُنَّ مِنۢ بُيُوتِهِنَّ[الطَّلاق: ١] الآية»، قَالَتْ: «هَذَا لِمَنْ كَانَتْ لَهُ مُرَاجَعَةٌ؛ فَأَيُّ أَمْرٍ يَحْدُثُ بَعْدَ الثَّلَاثِ؟! فَكَيْفَ تَقُولُونَ: لَا نَفَقَةَ لَهَا إِذَا لَمْ تَكُنْ حَامِلًا؟! فَعَلَامَ تَحْبِسُونَهَا؟!» [أخرجه مسلمٌ في «الطَّلاق» (١٤٨٠)].

(٦) انظر: «تهذيب السُّنَن» لابن القيِّم مع «عون المعبود» (٦/ ٣٩٠).