في بيان قاعدة: «لا يُنسَبُ إلى ساكتٍ قولٌ» ومستثنياتها | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 14 جمادى الأولى 1444 هـ الموافق لـ 08 ديسمبر 2022 م

الفتوى رقم: ١٢٨١

الصنف: فتاوى القواعد الفقهية

في بيان قاعدة: «لا يُنسَبُ إلى ساكتٍ قولٌ» ومستثنياتها

السؤال:

نودُّ مِنْ شيخِنا ـ حفظه الله ـ أَنْ يُجلِّيَ لنا الفرقَ بين قاعدة: «لَا يُنسَبُ إلى ساكتٍ قولُ»، وقاعدةِ: «السُّكوتُ في مَعرِضِ الحاجةِ إلى البَيانِ بيانٌ»؛ وهل هذه القاعدةُ محصورةٌ في باب القضاءِ أم تشمل أبوابًا أخرى؟ أفيدونا؛ وجزاكم اللهُ خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فمِنْ باب التَّوضيحِ: فإنَّ قاعدةَ: «لا يُنسَبُ إلى ساكتٍ قولُ قائلٍ» يُرادُ بها: أنَّ الشَّارعَ ـ سبحانه وتعالى ـ لم يَجعل السُّكوتَ كالنُّطق باللَّفظِ الَّذي تَنبني عليه الأحكامُ، وإنَّما الأصلُ في الحُكمِ أَنْ يكونَ مبنيًّا على الألفاظِ المَنطوقِ بها ذاتِ الدَّلالاتِ والمَقاصدِ، دون السُّكوتِ؛ فليسَ له حكمُ اللَّفظِ المَنطوقِ به، لِأَنَّ السُّكوتَ عَدَمٌ مَحضٌ، والأحكامُ لَا تَترَتَّبُ على العَدَمِ، وَلَا يُستَفادُ مِنهُ الأقوَالُ.

وأمَّا قاعدةُ: «السُّكوتُ في مَعرِضِ الحاجةِ إلى البَيانِ بيانٌ» فهي قاعدةٌ مُستثناةٌ أو مُخصِّصةٌ لسابِقتِها، وهي تدلُّ على أنَّ السُّكوتَ يقومُ مَقامَ النُّطقِ والكلامِ مِنْ حيثُ البيانُ، إمَّا للدَّلالةِ على حالٍ في المُتكلِّمِ: كسُكوتِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على أمرٍ عايَنَه مِنْ غيرِ نكيرٍ، فإنَّ سكوتَه يدلُّ على الإباحةِ أو الإذنِ به؛ ومثلُه في بابِ الاجتهاد: فإنَّ سكوتَ المُجتهدِ عن قولِ مجتهدٍ آخَرَ في مسألةٍ ـ بعد انتشارِ قولِه وقيامِ الحاجةِ إلى البيان ـ فهذا السُّكوتُ يُعَدُّ إقرارًا منه وموافقةً له، وإمَّا مراعاةً لحال السَّاكتِ، حيث يُعتبَر سكوتُه نُطقًا لأجل حاله: مِثلَ سُكوتِ البِكْرِ البالغةِ في تجويزِ الزَّواجِ، فإنَّ سُكوتَها يُعَدُّ رضًا وإقرارًا مراعاةً لحالها، ولهذا جاءَ في حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «البِكْرُ تُسْتَأْمَرُ، وإذْنُها سُكُوتُها»(١)، وكذلك في ردِّ العَيبِ وخيارِ الشُّفعةِ يُعَدُّ السُّكوتُ فيه رضًا وإقرارًا؛ وكذلك في إثباتِ النَّسَبِ يُعَدُّ السُّكوتُ فيه إقرارًا، لأنَّ مَنْ بُشِّرَ بولدٍ فسَكَتَ لَحِقَهُ كما لو كان أَقرَّ به؛ وكذلك سكوتُ الجاني المُتَّهَمِ عمَّا اتَّهَمَه به غيرُه؛ فسكوتُه في مَعرِضِ التُّهمةِ إقرارٌ بالجِنايةِ الَّتي اتُّهِم بها؛ وغيرُها مِنَ المَسائلِ الَّتي تَناولها الفقهاءُ، وهي لا تختصُّ بجانبِ القضاءِ فحَسْبُ؛ وإنَّما لها علاقةٌ بالأحكامِ سواءٌ مِنْ جهةِ القضاءِ أو الفَتوى أو الصُّلحِ أو مِنْ جهةِ الاجتهادِ والاستنباطِ.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٤ شعبان ١٤٤٣هـ
الموافق ﻟ: ٧ مارس ٢٠٢٢م



(١) أخرجه مسلمٌ في «النكاح» (١٤٢١) بابُ استئذان الثيِّب في النكاح بالنطق، والبِكرِ بالسكوت، مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما. وبمعناه عن عائشة رضي الله عنها أخرجه البخاريُّ في «الإكراه» (٦٩٤٦) باب: لا يجوز نكاحُ المُكرَه، ومسلمٌ (١٤٢٠).