في حكم المَهر | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأحد 12 شوال 1445 هـ الموافق لـ 21 أبريل 2024 م



الفتوى رقم: ١٤٣

الصنف: فتاوى الأسرة ـ عقد الزواج ـ إنشاء عقد الزواج

في حكم المَهر

السؤال:

اعتادَتْ بعضُ العائلات الجزائريَّة ـ خاصَّةً القبائل ـ عدَمَ اشتراطِ أيِّ شيءٍ مِنَ المهر على الخاطب فيقولون: لا نَشترِطُ شيئًا؛ فيُبْرَمُ العقدُ الشرعيُّ على هذا الأساس، فسائلةٌ تسأل: إذا وَعَدَ الخاطبُ المخطوبةَ ـ بعد ذلك ـ أَنْ يُقدِّمَ لها مهرًا معيَّنًا، ولكِنْ تَعسَّرَ عليه الحال ـ مع العلم أنه قدَّم لها خاتمًا مِنْ ذهبٍ وبعضَ الملابس ـ فهل يبقى باقي المهرِ الذي وَعَدَ به في ذِمَّته لا ينفكُّ منه إلَّا بتقديمه أم لا؟ علمًا أنَّ المخطوبة قد تَنازَلَتْ عنه أخذًا بقوله تعالى: ﴿فَإِن طِبۡنَ لَكُمۡ عَن شَيۡءٖ مِّنۡهُ نَفۡسٗا فَكُلُوهُ هَنِيٓ‍ٔٗا مَّرِيٓ‍ٔٗا ٤[النساء]، وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فاعْلَمْ أنَّ المهر واجبٌ شرعًا على الزوج لزوجته بمجرَّدِ عقدِ النكاح الصحيح، سواءٌ سُمِّيَ المهرُ؛ فيكون الواجبُ على الزوجِ جميعَه بالدخول ونصفَه بالطلاق قبل الدخول، أو لم يُسَمَّ المهرُ؛ فيكون الواجبُ على الزوج بالدخول بها هو مَهْرَ المثل (أي: مثلِها مِنَ النساء في طبقتها)، أمَّا إذا حَصَلَ الطلاقُ قبل الدخول فالواجبُ المتعةُ؛ فيُمتِّعها بحسَبِ حاله مِنْ غنًى أو فقرٍ لقوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلۡمُوسِعِ قَدَرُهُۥ وَعَلَى ٱلۡمُقۡتِرِ قَدَرُهُۥ مَتَٰعَۢا بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٢٣٦[البقرة]، ولا يجوز عقدُ النكاح إلَّا بالمهر؛ لقوله تعالى: ﴿أَن تَبۡتَغُواْ بِأَمۡوَٰلِكُم مُّحۡصِنِينَ غَيۡرَ مُسَٰفِحِينَ[النساء: ٢٤]؛ والمهرُ واجبٌ للمنكوحة، لا يجوز مَطْلُها إيَّاهُ؛ لقوله تعالى: ﴿أَن تَبۡتَغُواْ بِأَمۡوَٰلِكُم[النساء: ٢٤]، ولقوله تعالى: ﴿وَءَاتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحۡلَةٗ[النساء: ٤]؛ لكِنْ إذا وَقَعَ الزواجُ بغير ذِكْرِ المهر صحَّ لقوله تعالى: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِن طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمۡ تَمَسُّوهُنَّ أَوۡ تَفۡرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةٗ[البقرة: ٢٣٦].

هذا، فإِنْ مات عنها زوجُها ولم يكن قد سمَّى لها مهرًا فلها مهرُ مِثْلِها مِنَ النساء، كذا جاء قضاءُ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم في قصَّةِ بِرْوَعَ بنتِ واشقٍ الأشجعيَّة رضي الله عنها(١) التي مات عنها زوجُها قبل أَنْ يدخل بها ولم يكن قد سمَّى لها مهرًا في عقد النكاح؛ فأعطاها النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم مَهْرَ نسائها لا وَكْسَ ولا شَطَطَ حكمًا شرعيًّا(٢).

هذا، والمعلومُ أنَّ الشريعة تركَتِ التحديدَ لأقلِّ المهر وأكثرِه مراعاةً لحال الزوج، فإِنْ كان المهرُ المسمَّى معيَّنًا وقدَّم بعضَ المهر فإنَّ بعضَه الآخَرَ يبقى في ذِمَّتِه ما لم تَتنازَلِ المرأةُ عن رِضًا واختيارٍ بإسقاطِ شيءٍ منه أو تأخيرِه أو المعاوَضةِ عليه؛ فلا حَرَجَ في ذلك لقوله تعالى: ﴿فَإِن طِبۡنَ لَكُمۡ عَن شَيۡءٖ مِّنۡهُ نَفۡسٗا فَكُلُوهُ هَنِيٓ‍ٔٗا مَّرِيٓ‍ٔٗا ٤[النساء].

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

 



(١) هي بِروَعُ بنتُ واشقٍ الرُّؤَاسيةُ الكلابيَّةُ أو الأشجعيَّة رضي الله عنها؛ مات عنها زوجُها هلالُ بنُ مُرَّة الأشجعيُّ رضي الله عنه قبل أَنْ يدخل بها ولم يَفْرِضْ لها صداقًا؛ فقضى لها النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم بمِثْلِ صداقِ نسائها.

انظر ترجمتها في: «الاستيعاب» لابن عبد البرِّ (٤/ ١٧٩٥)، «أُسْد الغابة» لابن الأثير (٥/ ٤٠٨)، «الإصابة» لابن حجر (٤/ ٢٥١).

(٢) وحديثُها أخرجه أبو داود في «النكاح» بابٌ فيمَنْ تَزوَّجَ ولم يُسَمِّ لها صداقًا حتَّى مات (٢١١٤)، والترمذيُّ في «النكاح» بابُ ما جاء في الرَّجل يتزوَّج المرأةَ فيموت عنها قبل أَنْ يَفْرِض لها (١١٤٥)، والنسائيُّ في «النكاح» بابُ إباحةِ التزوُّج بغير صَداقٍ (٣٣٥٥)، وابنُ ماجه في «النكاح» بابُ الرَّجلِ يتزوَّج ولا يَفْرِض لها فيموت على ذلك (١٨٩١)، وأحمد في «مسنده» (١٥٩٤٣)، مِنْ حديثِ مَعقِل بنِ سِنانٍ الأشجعيِّ رضي الله عنه. والحديث صحَّحه ابنُ الملقِّن في «البدر المنير» (٧/ ٦٨٠)، وأحمد شاكر في تحقيقه ﻟ «مسند أحمد» (٦/ ١٣٧)، والألبانيُّ في «الإرواء» (١٩٣٩).