في وجوب العدل بين الزوجتين | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 22 ذي القعدة 1445 هـ الموافق لـ 30 مايو 2024 م



الفتوى رقم: ١٧٣

الصنف: فتاوى الأسرة ـ عقد الزواج ـ الحقوق الزوجية ـ الحقوق المنفردة

في وجوب العدل بين الزوجتين

السؤال:

ما حكمُ رجلٍ له زوجتان لا يعدل بينهما؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فإذا كان للزوجة ضَرَّةٌ فالواجبُ على الزوج أَنْ يعدل بينها وبين ضَرَّتها في المُعامَلة وفي عموم النفقة: مِنَ المأكل والمَشْرَب والمَلْبَس والمسكن والقَسْم في المَبيت، ولا يجوز له أَنْ يَحيف في شيءٍ مِنْ ذلك أو يجور؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تَعۡدِلُواْ فَوَٰحِدَةً أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۚ ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَلَّا تَعُولُواْ ٣[النساء]، ولقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ يَمِيلُ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَجُرُّ أَحَدَ شِقَّيْهِ سَاقِطًا أَوْ مَائِلًا»(١)؛ ففي الحديثِ دليلٌ على تحريمِ الميل إلى إحدى الزوجتين دون الأخرى في الحقوق الزوجيَّة التي تدخل تحت مِلْكه وقدرته، سواءٌ كانَتَا مسلمتين أو إحداهما مسلمةً والأخرى كتابيةً قولًا واحدًا؛ قال ابنُ المنذر ـ رحمه الله ـ: «وأجمعوا على أنَّ القَسْمَ بين المسلمة والذِّمِّيَّة سواءٌ»(٢)؛ ولأنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم وصَّى بهنَّ خيرًا فقال: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي»(٣)؛ وكما يجب عليه العدلُ يجب عليه المُعاشَرةُ بالمعروف والإحسانُ إليهما؛ لعمومِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ[النحل: ٩٠]، وقولِه سبحانه: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِ[النساء: ١٩]، وذلك مِنْ حقوق الزوجة على زوجها.

هذا، ومِنَ العدلِ القَسْمُ في المَبيت وإِنْ لم يحصل معه جماعٌ؛ لعدمِ وجوب التسوية في الجماع بإجماعٍ(٤)؛ لأنَّ سبيلَه الشهوةُ والمحبَّة والميل، ويتعذَّر التسويةُ بينهنَّ فيه لتحقُّقِ ميلِ قلبِ الزوج إلى إحداهما دون الأخرى؛ ولهذا قال النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم لمَّا سُئِل عن أحبِّ الناس إليه قال: «عَائِشَةُ»(٥).

هذا، ويجدر التنبيه إلى أنه لا يجب على الزوجِ العدلُ بين زوجاته في النفقة والكسوة إذا ما وفَّى بالواجب الذي عليه وقام به تُجاهَ كُلِّ واحدةٍ منهنَّ، فله أَنْ يفضِّل إحداهما على الأخرى في النفقة والكسوة إذا كانَتِ الأخرى في كفايةٍ؛ لمكانِ المَشَقَّة في التسوية في ذلك كُلِّه، فلو أُمِر به فلا يَسَعُه القيامُ به إلَّا بحرجٍ زائدٍ؛ فسَقَط وجوبُه كالتسوية في الجماع(٦).

كما لا يجب على الزوج التسويةُ بين الزوجات في المهر والوليمة، بل يجوز التفاوتُ فيها؛ ويدلُّ على ذلك ما جاء عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ رضي الله عنها: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَهَا وَهِيَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ: زَوَّجَهَا النَّجَاشِيُّ، وَأَمْهَرَهَا أَرْبَعَةَ آلَافٍ، وَجَهَّزَهَا مِنْ عِنْدِهِ، وَبَعَثَ بِهَا مَعَ شُرَحْبِيلَ ابْنِ حَسَنَةَ، وَلَمْ يَبْعَثْ إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَيْءٍ، وَكَانَ مَهْرُ نِسَائِهِ أَرْبَعَ مِائَةِ دِرْهَمٍ»(٧)، وفي تزويجِ زينبَ بنتِ جحشٍ رضي الله عنها قال أنسٌ رضي الله عنه: «مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم أَوْلَمَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَائِهِ مَا أَوْلَمَ عَلَيْهَا: أَوْلَمَ بِشَاةٍ»(٨).

هذا، والأصل أَنْ يكون لكُلِّ زوجةٍ مسكنٌ خاصٌّ بها يأتيها فيه كما فَعَل النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم مع نسائه؛ بدليلِ قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدۡخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلَّآ أَن يُؤۡذَنَ لَكُمۡ[الأحزاب: ٥٣]؛ فظاهرُ الآيةِ أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم كان يُسْكِن زوجاتِه في مَساكِنَ متعدِّدةٍ مُستقِلَّةٍ يَقْسِم فيما بينهنَّ، وذلك ـ بلا شكٍّ ـ أصونُ لهنَّ وأسترُ حتَّى لا يخرجن مِنْ بيوتهنَّ(٩)، ولا يجمعُ أكثرَ مِنْ زوجةٍ في مسكنٍ واحدٍ لمُخالَفتِه للأصل السابق إلَّا برِضَاها، ويكون ذلك مسكنَ مثلِها لائقًا لا ضررَ عليها فيه ولا أذَى.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٠٩ ذي الحجَّة ١٤٢٦ﻫ
المـوافق ﻟ: ٠٩ ينـاير ٢٠٠٥م

 



(١) أخرجه أحمد ـ واللفظ له ـ (٧٩٣٦)، وأبو داود في «النكاح» بابٌ في القَسْم بين النساء (٢١٣٣)، والترمذيُّ في «النكاح» بابُ ما جاء في التسوية بين الضرائر (١١٤١)، والنسائيُّ في «عِشْرة النساء» بابُ ميلِ الرَّجل إلى بعض نسائه دون بعضٍ (٣٩٤٢)، وابنُ ماجه في «النكاح» باب القسمة بين النساء (١٩٦٩)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه. وصحَّحه الألبانيُّ في «إرواء الغليل» (٧/ ٨٠) رقم: (٢٠١٧).

(٢) «الإجماع» لابن المنذر (٨٤). ويُستثنى مِنَ القَسْم في المَبيت صورةُ ما إذا تَزوَّج البِكْرَ على الثيِّب فإنه يُقيمُ عندها سبعًا، وإذا تَزوَّج الثيِّبَ على البِكْر أقام عندها ثلاثًا، ثمَّ يَقْسِم لكُلِّ زوجةٍ منهنَّ ليلتَها؛ لحديثِ أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه قال: «مِنَ السُّنَّةِ إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ البِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا وَقَسَمَ، وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ عَلَى البِكْرِ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ قَسَمَ» [مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «النكاح» باب: إذا تزوَّج الثيِّبَ على البِكْر (٥٢١٤)، ومسلمٌ في «الرضاع» (١٤٦١)].

(٣) أخرجه الترمذيُّ في «المناقب» بابٌ في فضلِ أزواج النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم (٣٨٩٥) مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها، وابنُ ماجه في «النكاح» بابُ حُسْنِ مُعاشَرةِ النساء (١٩٧٧) مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٣٣١٤) و«السلسلة الصحيحة» (٢٨٥).

(٤) انظر: «المغني» لابن قدامة (٩/ ٦١٨).

(٥) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «فضائل الصحابة» بابُ قول النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا» (٣٦٦٢)، ومسلمٌ في «فضائل الصحابة» (٢٣٨٤)، مِنْ حديثِ عمرو بنِ العاص رضي الله عنه.

(٦) انظر: «المغني» لابن قدامة (٧/ ٣٢).

(٧) أخرجه أبو داود في «النكاح» باب الصداق (٢١٠٧)، والنسائيُّ في «النكاح» باب القسط في الأَصْدِقة (٣٣٥٠)، وأحمد في «مسنده» (٢٧٤٠٨)، مِنْ حديثِ أمِّ حبيبة بنتِ أبي سفيان رضي الله عنهما. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح أبي داود» (١٨٣٥)، وانظر تعليقَ الخطَّابي.

(٨) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «النكاح» بابُ مَنْ أَوْلَمَ على بعضِ نسائه أكثرَ مِنْ بعضٍ (٥١٧١)، ومسلمٌ في «النكاح» (١٤٢٨)، مِنْ حديثِ أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه.

(٩) انظر: «المغني» لابن قدامة (٧/ ٣٤).