في حكم الإخلال بشروط عقد الزواج | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 18 شعبان 1445 هـ الموافق لـ 28 فبراير 2024 م



الفتوى رقم: ٢٢٧

الصنف: فتاوى الأسرة ـ عقد الزواج ـ الحقوق الزوجية ـ الحقوق المنفردة

في حكم الإخلال بشروط عقد الزواج

السؤال:

أختٌ تزوَّجَتْ مِنْ رجلٍ كان يسكن فرنسا وله زوجةٌ غيرُ مستقيمةٍ ووَلَدانِ، فعند خِطبة الثانية تَعاقَدَا على المكوثِ في الجزائر العاصمة وأَنْ يتركها تحضر الحلقاتِ العلميَّةَ في المسجد، ولكنَّه بعد الرجوع مِنْ فرنسا مَنَعها مِنْ حضور الحلقات مِنْ غير مسوِّغٍ شرعيٍّ، وأصبح يُعامِلها بالسوء، فبالنسبةِ إليها ضاقَتْ معيشتُها، فهل لها أَنْ تُطالِبَ بفسخ العقد؟ جزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فلا يَحِقُّ للزوج أَنْ يُخِلَّ بالْتزامه بالشروط الجائزة التي يجب عليه الوفاءُ بها؛ لقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «أَحَقُّ مَا أَوْفَيْتُمْ مِنَ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ: مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الفُرُوجَ»(١)، ولقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا»(٢)؛ بل لا يجوز له أَنْ يمنعها مِنَ الذهاب إلى المسجد حالَ استئذانها له، ولو لم تَشترِطْ عليه ذلك، لكِنْ يجب عليها أَنْ تَجتنِبَ ـ وقتَ خروجها ـ كُلَّ ما يدعو إلى الفتنة مِنَ الطِّيبِ والزينة ونحوِهما، غير أنه إِنْ لم يكن خروجُها للعلم الضروريِّ والحاجة الأكيدة فإنَّ الأفضل لها الصلاةُ في بيتها لقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ المَسَاجِدَ، وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ»(٣)، ولقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «صَلَاةُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي حُجْرَتِهَا، وَصَلَاتُهَا فِي حُجْرَتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي دَارِهَا، وَصَلَاتُهَا فِي دَارِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِيمَا سِوَاهُ»، وفي روايةِ أبي داود: «صَلَاةُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي حُجْرَتِهَا، وَصَلَاتُهَا فِي مَخْدَعِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا»(٤).

وللزوجة ـ إِنْ رأَتْ مِنْ زوجها تعسُّفًا في قَبولِ الحقِّ، ومعامَلةً سيِّئةً لا تستقيم معها الحياةُ الزوجية، وعدمَ الوفاءِ بالشروط التي تَضمَّنها عقدُ الزواج ـ فيَسَعُها ـ إِنْ أرادَتْ فَسْخَ العقد ـ أَنْ تَفْسَخه، وخاصَّةً إِنْ لم يُعامِلْها بالمعروف؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِ[النساء: ١٩]، وذلك مِنْ حقِّ الزوجة على زوجها.

أمَّا إذا رأَتْ ـ في مُجْمَله ـ الخُلُقَ والدِّينَ، والقيامَ على شؤونها وسَدَّ حاجاتِها، وأنَّ أَمْرَ الشروط غيرُ ضروريٍّ، وليسَتْ مِنَ الأهمِّيَّة التي تُعكِّرُ جوَّ الحياةِ الزوجيَّة؛ فما عليها إلَّا أَنْ تَتنازَل عن هذه الشروطِ وتصبرَ عليه، وتخرجَ لاكتساب الضروريِّ مِنْ دِينِها لكونه واجبًا عليها، ولا يستطيعُ أَنْ يمنعها مِنْ واجبٍ؛ لقوله سبحانه وتعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِيكُمۡ نَارٗا[التحريم: ٦]، والوقايةُ مِنَ النار بتعلُّم العلم الشرعيِّ المُوصِلِ إلى معرفة الحلال والحرام ومعرفةِ التوحيد مِنَ الشرك، والآيةُ شاملةٌ للذكور والإناث لأنَّ الأهل هُم زوجاتُ الرَّجل وأولادُه، كما في قوله تعالى: ﴿وَأۡمُرۡ أَهۡلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصۡطَبِرۡ عَلَيۡهَا[طه: ١٣٢]، وقولِه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ»(٥)، ولا يخفى أنَّ تحصيل العلم مطلوبٌ؛ فاقتضى المَقامُ والحاجةُ خروجَها لقِوامِ دِينِها ولو مِنْ غير إذنه إذا لم يُوفِّرْ لها في بيتها ما تستغني به عن الخروج، وإذا كان لا يجوز للرَّجل أَنْ يمنع زوجتَه مِنَ الذهاب إلى المسجد مع أنَّ المسجد ليس واجبًا عليها فمِنْ بابٍ أَوْلى أَنْ لا يمنعها مِنَ الخروج إلى ما هو فرضٌ وواجبٌ عليها كصِلَةِ رَحِمِها وتعلُّمِ أمور دِينِها وغيرِ ذلك؛ لقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ»(٦)، لكِنَّ خروجها ينبغي أَنْ يكون بالضوابط الشرعيَّة ـ كما تَقدَّمَ ـ في اللباس والهيئة ومكانِ الطلب والعبادة وغيرِها.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

 



(١) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الشروط» باب الشروط في المهر عند عُقدة النكاح (٢٧٢١) وفي «النكاح» باب الشروط في النكاح (٥١٥١)، ومسلمٌ في «النكاح» (١٤١٨)، مِنْ حديثِ عقبة بنِ عامرٍ رضي الله عنه.

(٢) أخرجه الترمذيُّ في «الأحكام» بابُ ما ذُكِر عن رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم في الصلح بين الناس (١٣٥٢) مِنْ حديثِ عمرو بنِ عوفٍ المُزَنيِّ رضي الله عنه، وقال: «هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ». قال ابنُ تيمية في «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ١٤٧): «وهذه الأسانيد ـ وإِنْ كان الواحدُ منها ضعيفًا ـ فاجتماعُها مِنْ طُرُقٍ يَشُدُّ بعضُها بعضًا»، وصحَّحه بمجموعِ طُرُقِه الألبانيُّ في «الإرواء» (٥/ ١٤٢) رقم: (١٣٠٣) و«السلسلة الصحيحة» (٢٩١٥).

(٣) أخرجه أبو داود في «الصلاة» بابُ ما جاء في خروج النساء إلى المسجد (٥٦٧) مِنْ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما. وصحَّحه النوويُّ في «الخلاصة» (٢/ ٦٧٨)، وأحمد شاكر في تحقيقه ﻟ «مسند أحمد» (٧/ ٢٣٢)، والألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٧٤٥٨). وأوَّلُه مُتَّفَقٌ عليه بلفظ: «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ» دون زيادةِ: «وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ»: أخرجه البخاريُّ في «الجمعة» باب: هل على مَنْ لم يشهد الجمعةَ غُسلٌ مِنَ النساء والصبيان وغيرِهم؟ (٩٠٠)، ومسلمٌ في «الصلاة» (٤٤٢).

(٤) أخرجه أبو داود في «الصلاة» باب التشديد في ذلك، أي: في خروج النساء إلى المسجد (٥٧٠)، والطبرانيُّ في «الكبير» (٩٤٨٢)، مِنْ حديثِ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه، وفي «الأوسط» (٩١٠١) مِنْ حديثِ أمِّ سلمة رضي الله عنها. وحسَّنه الألبانيُّ في «صحيح الترغيب» (٣٤٢) وصحَّحه في «صحيح الجامع» (٣٨٣٣).

(٥) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «العتق» بابُ كراهِيَةِ التطاول على الرقيقِ وقولِه: عبدي أو أَمَتي (٢٥٥٤)، ومسلمٌ في «الإمارة» (١٨٢٩)، مِنْ حديثِ عبد الله بنِ عمر رضي الله عنهما.

(٦) أخرجه الطبرانيُّ في «المعجم الأوسط» (٤٠٩٦) مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، وأخرجه ابنُ ماجه في «المقدِّمة» بابُ فضلِ العلماء والحثِّ على طلب العلم (٢٢٤) مِنْ حديثِ أنسٍ رضي الله عنه. والحديثُ صحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٣٩١٣، ٣٩١٤) وفي «المشكاة» (٢١٨).