في صفة المبتدع | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
السبت 14 المحرم 1446 هـ الموافق لـ 20 يوليو 2024 م



الفتوى رقم: ٢٧٢

الصنف: فتاوى منهجية

في صفة المبتدع

السؤال:

متى يُوصَفُ الرَّجُلُ بالمُبتدِع؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فاعْلَمْ أنَّ النصوص الشرعيَّة دلَّتْ على أنَّ كُلَّ بدعةٍ سيِّئةٌ وضلالةٌ، وليس منها شيءٌ حَسَنٌ؛ لقوله تعالى: ﴿ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ[المائدة: ٣]، وقد قال مالكٌ ـ رحمه الله ـ: «مَنِ ابْتَدَعَ فِي الإِسْلَامِ بِدْعَةً يَرَاهَا حَسَنَةً فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم خَانَ الرِّسَالَةَ؛ لِأَنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ﴾؛ فَمَا لَمْ يَكُنْ ـ يَوْمَئِذٍ ـ دِينًا فَلَا يَكُونُ ـ اليَوْمَ ـ دِينًا»(١)، ولقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»(٢)، وقولِه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»(٣)، علمًا أنَّ البدعة لا تسري في العادات لأنها تتبع العُرْفَ، والعادةُ ـ وإِنْ كانَتْ تُسَمَّى بدعةً لُغَويَّةً ـ فليست بدعةً في الشرع؛ أمَّا البدعةُ في الشرع والدِّينِ فهي التي وَرَدَ فيها النكيرُ والتحذير، وهي التعبُّدُ لله بما لم يَشْرَعه ولم يكن عليه هديُ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم ولا خُلَفائه الراشدين؛ لقوله تعالى: ﴿أَمۡ لَهُمۡ شُرَكَٰٓؤُاْ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمۡ يَأۡذَنۢ بِهِ ٱللَّهُۚ[الشورى: ٢١]، وقولِه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ المَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ»(٤)، وقد أجمعَ سلفُ الأمَّةِ وأئمَّتُها مِنَ الصحابة والتابعين ومَنْ تَبِعهم بإحسانٍ على ذمِّ البِدَع جميعًا ـ كبيرِها وصغيرِها ـ وتقبيحِها، والتحذيرِ منها، والتنفيرِ مِنَ الذرائع المؤدِّيَةِ إليها، والنهيِ عن مجالسةِ أصحابِها والتقرُّب إليهم؛ لأنها واقعةٌ في مُضادَّةِ السُّنَّة واطِّراح الشرع؛ ولا يخفى أنه لا يجوز ـ شرعًا ولا عقلًا ـ استحسانُ مُشاقَّةِ الشارع أو مُضادَّتِه بأيِّ عملٍ مُخالِفٍ لدِينه وشرعِه؛ غير أنه لا يجوز التسرُّعُ في إطلاقِ لفظِ «المُبتدِع» على كُلِّ مَنْ وَقَعَ في بعض المُخالَفات، فمَنِ ارتكب مُحرَّمًا أو وَقَعَ في كبيرةٍ أو معصيةٍ يُسَمَّى عاصيًا أو فاسقًا، وليس كُلُّ عاصٍ أو مُخطِئٍ مُبتدِعًا؛ وإنما كان السلفُ يَصِفون بالبدعة ـ اعتقادًا وعملًا ـ مَنْ فَعَلَ فعلًا يتقرَّب به إلى الله عن عَمَى الجهلِ أو الهوى أو تقليدِ الآباء أو التشبُّهِ بالكُفَّار؛ وكُلُّ ذلك مِنْ غيرِ بصيرةٍ وحُجَّةٍ تُسْنِدُ فِعلَهُ المردود؛ لقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» ـ كما تقدَّم ـ (٥) وفي روايةٍ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»(٦).

وعليه، فإنَّ مَنْ أَحْدَثَ شيئًا في الدِّينِ مُجرَّدًا مِنْ دليلٍ شرعيٍّ ممَّا ليس بكفرٍ فهو صاحِبُ بدعةٍ أو صاحبُ هوًى؛ والواجبُ اتِّجاهَهُ: إقامةُ الحُجَّةِ عليه، وإزالةُ ما تَعَلَّقَ به مِنْ شُبُهاتٍ، ونُصْحُه حتَّى يرجع عمَّا هو عليه؛ فإِنْ أَبَى الرجوعَ أو لم يقبلِ النصيحةَ أصلًا فهو مُبتدِعٌ فاسقٌ ببدعته؛ وإنَّما يُوصَفُ مُرتكِبُها بأنه مُفسَّقٌ ببدعته إذا لم يُنكِرْ أمرًا مُتَّفَقًا عليه مِنْ قواعدِ جميعِ الأئمَّة(٧)؛ والمعلومُ أنَّ الهوى والبدعة لا يُؤمَنُ معهما الكذبُ والافتراء؛ لذلك كان في قَبولِ روايَتِه اختلافٌ بين أهل الحديث؛ فمنهم مَنْ ردَّ روايةَ المُبتدِعِ مُطلَقًا، ومنهم مَنْ يرى قَبولَهَا مُطلَقًا إذا كان معروفًا بالتحرُّز مِنَ الكذب، مشهورًا بالسلامة مِنْ خوارم المروءة، موصوفًا بالديانة والعبادة، ومنهم مَنْ يُفصِّل بين أَنْ يكون داعيةً لبِدعَتِه أو غيرَ داعيةٍ، وفيه أقوالٌ مُفصِّلةٌ أخرى(٨).

غير أنَّ المُبتدِع لا ينبغي الترويجُ لأمرِه ولا التنويهُ بذِكره؛ فإِنْ كانَتِ المصلحةُ داعيةً إلى هجره فإنه يُهجَرُ تأديبًا وزجرًا له عن فِسقه وإخمادًا لبدعتِه وإطفاءً لنارِه، كمُستحضِرٍ دواءً لداءِ بدعته.

أمَّا إِنْ كانت بدعتُه مُكفِّرةً فيَلْزَم أَنْ يكون التكفيرُ مُتَّفَقًا عليه مِنْ قواعدِ جميع الأئمَّة، إمَّا بكفرٍ صريحٍ مِنْ قوله، أو بلازمِ قولِه إذا عُرِضَ عليه فالْتَزَمه؛ والواجبُ ـ تُجاهَهُ ـ بيانُ حالِه وتعريفُ الناسِ بباطلِه، وخاصَّةً إِنْ بَدَا منه الظلمُ والاستكبارُ والعناد والعداوة؛ وتُترَك مجادلتُه اتِّقاءَ فُحشِه ومجاوزةِ حدِّه وكثرةِ شُبَهِه وتعصُّبِه، ولا يُقبَلُ قولُ مَنْ أَنكرَ أمرًا مُتواتِرًا مِنَ الشرع معلومًا مِنَ الدِّين بالضرورة، ولا إشكالَ ـ أيضًا ـ في ردِّ روايَتِه(٩)، ووَجَب ـ في حقِّه ـ تقديمُ مصلحةِ هجره والتحذيرِ مِنْ بدعته؛ وقايةً مِنَ التأثُّر بها وتضييقًا لمَجارِيها وتطويقًا لانتشارها؛ ذلك لأنَّ الكافر غيرُ موصوفٍ بالدِّيانة والعبادة، ولا بالسلامة مِنْ خوارم المروءة؛ فكيف يُؤتَمَنُ على الدِّين مَنْ لا ميثاقَ له ولا عَهْدَ؟!

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢١ رجب ١٤٢٦ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٦ أوت ٢٠٠٥م

 



(١) ذَكَره الشاطبيُّ في «الاعتصام» (١/ ٤٩).

(٢) أخرجه مسلمٌ في «الجمعة» (٨٦٧) مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما.

(٣) أخرجه ـ بهذا اللفظ ـ مسلمٌ في «الأقضية» (١٧١٨)، وأخرجه البخاريُّ في «الصلح» باب: إذا اصطلحوا على صُلْحِ جَوْرٍ فالصلحُ مردودٌ (٢٦٩٧) بلفظ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ...»، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها.

(٤) أخرجه أبو داود في «السُّنَّة» بابٌ في لزوم السُّنَّة (٤٦٠٧)، والترمذيُّ في «العلم» بابُ ما جاء في الأخذ بالسُّنَّة واجتنابِ البِدَع (٢٦٧٦)، وابنُ ماجه في «المقدِّمة» بابُ اتِّباعِ سُنَّةِ الخلفاء الراشدين المهديِّين (٤٢، ٤٣)، مِنْ حديثِ العرباض بنِ سارية رضي الله عنه. وحسَّنه البغويُّ في «شرح السُّنَّة» (١/ ٢٠٥)، والوادعيُّ في «الصحيح المسند» (٩٣٨)، وصحَّحه ابنُ الملقِّن في «البدر المنير» (٩/ ٥٨٢)، وابنُ حجرٍ في «موافقة الخُبْرِ الخَبَرَ» (١/ ١٣٦)، والألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٢٥٤٩) وفي «السلسلة الصحيحة» (٩٣٧، ٢٧٣٥)، وشعيب الأرناؤوط في تحقيقه ﻟ: «مسند أحمد» (٤/ ١٢٦).

(٥) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه ـ بهذا اللفظ ـ مسلمٌ في «الأقضية» (١٧١٨)، والبخاريُّ في «الصلح» باب: إذا اصطلحوا على صُلْحِ جَوْرٍ فالصلحُ مردودٌ (٢٦٩٧) بلفظ: «...مَا لَيْسَ فِيهِ...»، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها.

(٦) أخرجه مسلمٌ في «الأقضية» (١٧١٨).

(٧) انظر: «هدي الساري» لابن حجر (٣٨٥).

(٨) انظر: المصدر السابق، الصفحة نفسها، و«نُخبة الفِكَر» لابن حجر (٥٣).

(٩) انظر: «اختصار علوم الحديث» لابن كثير (٩٩)، «نُخبة الفِكَر» لابن حجر (٥٣).