في حكم اشتراط المرأةِ التدريسَ بالمسجد لقَبول الزواج | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 9 شوال 1445 هـ الموافق لـ 18 أبريل 2024 م



الفتوى رقم: ٢٨٣

الصنف: فتاوى الأسرة ـ عقد الزواج ـ الحقوق الزوجية ـ الحقوق المنفردة

في حكم اشتراط المرأةِ التدريسَ بالمسجد لقَبول الزواج

السؤال:

لقد وَرَد في «الأوسط» للطبرانيِّ عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم أنه قال: «مَنْ رَزَقَهُ اللهُ امْرَأَةً صَالِحَةً فَقَدْ أَعَانَهُ اللهُ عَلَى شَطْرِ دِينِهِ؛ فَلْيَتَّقِ اللهَ فِي الشَّطْرِ الثَّانِي»(١)؛ لذا فلقد حَرَصْتُ على أَنْ أعمل بنصيحة النبيِّ المصطفى صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم في قوله: «فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ..»(٢)، وتقدَّمْتُ لخِطبة إحدى طالبات العلم اللَّاتي نحسب أنها تتوفَّر فيها شروطُ نصيحةِ نبيِّنا صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم، ولِمَا في أهلها مِنْ صفات الصلاح والوقوفِ عند حدود الله ـ ولا نزكِّي على الله أحَدًا ـ وأكبرُ شيءٍ دعاني لأتقدَّم إلى هذه الفتاةِ هو علمي بحرصها على نشرِ دعوة الحقِّ وتعليمِ العامَّة الدِّينَ الصحيح؛ فطلَبْتُ رؤيةً شرعيَّةً، وقد تحصَّلْتُ على تسهيلاتٍ مِنْ جِهَتِها وجِهَةِ أهلها، مع علمهم بقلَّةِ مالي ونقصِ تفقُّهي في الدِّين؛ وقبل أَنْ تَتِمَّ الرؤيةُ تمَّ إبلاغي أنَّ لها شرطًا هي عازمةٌ على أَنْ لا يتمَّ عقدُ النكاح إلَّا به، والشرط متمثِّلٌ في أَنْ تقوم بحِلَق التعليم في المسجد بعد حصولها على رخصةٍ مِنَ الإمام؛ فكما تَقدَّم ـ شيخَنا ـ إنَّ أوَّل ما دعاني لأتقدَّم إليها حرصُها على نشرِ الدعوة، ولو أنَّ شرطها هذا جاء في صيغةِ طلبٍ لَوافَقْتُ حتَّى وإِنْ كانَتِ الحِلَقُ تُقامُ يوميًّا ـ واللهُ شهيدٌ على ما أقول ـ ولكِنْ أَنْ يكون شرطًا يُبْنى عليه عقدُ النكاح ـ ولو حصَّةً واحدةً في الأسبوع ـ فأنا أرفض هذا؛ لأنَّني أرى فيه فقدانًا لبعض قوامة الرَّجل على المرأة، ثمَّ إنَّ شرطًا كهذا يُوحي بنقص الثِّقة؛ وأخيرًا لم أَجِدْ أثرًا لهذا الشرطِ مِنْ نساء الصحابة أو التابعين؛ شيخَنا أرجو أَنْ تُبيِّنَ الفرقَ بين الشرط الذي يُبْنى عليه عقدُ النكاح والشرطِ الذي يُبْنى به عقدُ النكاح؛ وأرجو منكم تقديمَ النصيحة لكُلِّ طالبات العلم إِنْ كنتُ مُحِقًّا؛ لأنَّني أظنُّ أنَّ الأخطاءَ المنهجيَّة قد تكون خفيَّةً، ولكنَّ عواقبها جليَّةٌ ومدمِّرةٌ للدعوة الحقَّة المبنيَّة على التأسِّي بمَنْ سَبَقنا، خاصَّةً إذا وَقَع فيها مَنْ له منبرٌ يحدِّث الناسَ منه أو مَنْ لها حلقةُ تعليمٍ خاصَّةٌ بالنساء اللَّائي يُنتظَرُ منهنَّ أَنْ يُنْجِبْنَ مَنْ لن يضرَّهم مَنْ خَذَلهم إلى يوم القيامة ـ معذرةً على الإطالة ـ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالأصل في العقود والشروطِ الجوازُ والإباحة، وأنه لا يَحْرُمُ منها ويَبْطُل إلَّا ما دلَّ الشرعُ على تحريمه نصًّا أو قياسًا(٣)، وللمرأة أَنْ تَشترِطَ ما تراه يرجع عليها بالمصلحة والنفع، مِنْ غيرِ أَنْ يَصطدِمَ بنصٍّ شرعيٍّ أو بأحكامِ الشريعة، أو بحقٍّ مِنْ حقوق الزوج؛ لقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا»(٤)، وقولِه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ»(٥)، كما أنَّ للرَّجُل أَنْ يَشترِطَ ما يراه نافعًا له، إلَّا الشروطَ التي تعود على حقوق الزوجين أو أحكامِهما بالفساد، أو تُخالِفُ مقتضى العقد؛ فإذا كانَتِ المرأةُ تَشترِطُ شروطًا مُطلَقةً فللرَّجُل أَنْ يَشترِطَ شروطًا مقيِّدةً لها؛ لئلَّا تَتَّسِع الشروطُ على حساب الحقوق؛ تحقيقًا للانسجام بين الشروط والاتِّحادِ بين الرأيين.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

 



(١) أخرجه الطبرانيُّ في «المُعجَم الأوسط» (١/ ٢٩٤) رقم: (٩٧٢)، والحاكم في «المُستدرَك» (٢٦٨١)، مِنْ حديثِ أنسٍ رضي الله عنه. وحسَّنه الألبانيُّ في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٩١٦).

(٢) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «النكاح» باب الأَكْفاء في الدِّين (٥٠٩٠)، ومسلمٌ في «الرضاع» (١٤٦٦)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٣) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٩/ ١٣٢، ٣٤٦).

(٤) أخرجه الترمذيُّ في «الأحكام» بابُ ما ذُكِر عن رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم في الصلح بين الناس (١٣٥٢) مِنْ حديثِ عمرو بنِ عوفٍ المُزَنيِّ رضي الله عنه، وقال: «هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ». قال ابنُ تيمية في «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ١٤٧): «وهذه الأسانيد ـ وإِنْ كان الواحدُ منها ضعيفًا ـ فاجتماعُها مِنْ طُرُقٍ يَشُدُّ بعضُها بعضًا»، وصحَّحه بمجموعِ طُرُقِه الألبانيُّ في «الإرواء» (٥/ ١٤٢) رقم: (١٣٠٣) و«السلسلة الصحيحة» (٢٩١٥).

(٥) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه بهذا اللفظِ النسائيُّ في «الطلاق» بابُ خيارِ الأَمَة تُعتَقُ وزوجُها مملوكٌ (٣٤٥١)، وابنُ ماجه في «العتق» باب المكاتب (٢٥٢١)، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها، وهو حديثُ عِتق بريرة رضي الله عنها، وهو في الصحيحين بلفظ: «مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ...»: أخرجه البخاريُّ في «البيوع» باب: إذا اشترط شروطًا في البيع لا تَحِلُّ (٢١٦٨)، ومسلمٌ في «العتق» (١٥٠٤)، وانظر: «إرواء الغليل» للألباني (٥/ ١٥٢).