الجرح والتعديل من مسائل الاجتهاد | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأحد 26 ذي القعدة 1443 هـ الموافق لـ 26 يونيو 2022 م

الفتوى رقم: ٦٨٥

الصنف: فتاوى منهجية

الجرح والتَّعديل مِنْ مسائل الاجتهاد

السؤال:

هل المَسائلُ الخِلافيةُ الواقعةُ بين العلماء في جرحِ وتعديلِ الأشخاص أو في كلام بعضهم في بعضٍ لها أحكامُ المَسائِلِ الفقهيَّةِ الاجتهاديَّةِ مِنْ حيث ما يترتَّب عليها مِنْ سَعَة الصَّدر وعدمِ التَّشنيع على المُخالف وحمله على أحسن المَحامل، والنَّظر في قوله تصويبًا وتخطيئًا لا قدحًا وتبديعًا؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجـواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فأقوالُ العلماء في الجرح والتَّعديلِ أو في كلامِ بعضِهم في بعضٍ أمرٌ اجتهاديٌّ يَقبلُ الإصابةَ والخطأَ، والمُجتهدُ مأجورٌ على اجتهادِهِ وإن أخطأَ فله أجرٌ واحدٌ، فهو بكُلِّ حالٍ مأجورٌ، والإثمُ عنه مرفوعٌ، لقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «إذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ»(١)، ويترتَّب على ذلك ما ورد في السُّؤال مِن سَعَة الصَّدر وعدمِ التَّشنيعِ على المُخالِفِ وحملِهِ على أحسنِ المَحامِلِ؛ لأنَّ الأصلَ في العلماء أنَّهم أهلُ عَدْلٍ وإنصافٍ، وإنَّما قد يقع منهم شيءٌ مِنَ الطَّعن غيرِ المُعتبَر لِهَوًى، ومسالكُ الهوى ومساربُهُ دقيقَةٌ، والمَعصومُ مَن عَصَمَهُ اللهُ، قال ابنُ تيميَّة ـ رحمه الله ـ: «فالمُجتهِدُ المَحضُ مغفورٌ له ومأجورٌ، وصاحبُ الهوى المَحضُ مُستوجِبٌ للعذاب، وأمَّا المُجتهِدُ الاجتهادَ المُركَّبَ مِنْ شُبهةٍ وهوًى: فهو مُسيءٌ؛ وهم في ذلك على درجاتٍ حسَبَ ما يَغلِبُ وبحسَبِ الحسنات المَاحية»(٢)؛ مثالُه ما وقع للبخاريِّ مِنَ الذُّهلي بسبب الْتِباسِ عبارته في خلق أفعالِ العِباد حيث ظنَّها مُوافقةً للجهميَّة(٣)، وقال الإمام الذَّهبيُّ ـ رحمه الله ـ: «لسنا ندَّعِي في أئمَّةِ الجرح والتَّعديل العصمةَ مِنَ الغلط النَّادِرِ، ولا مِنَ الكلام بنَفَسٍ حادٍّ فيمن بينه وبينهم شحناءُ وإحنةٌ، وقد عُلِمَ أنَّ كثيرًا مِنْ كلامِ الأقران بعضِهم في بعض مُهْدَرٌ لا عبرةَ به، لا سِيَّما إذا وَثَّقَ الرَّجُلَ جماعةٌ يلوح على قولهم الإنصافُ»(٤)، وقال ـ رحمه الله ـ في مؤلَّفٍ آخَرَ: «وكلامُ الأقران بعضِهم في بعضٍ لا يُعبَأُ به، لا سِيَّمَا إذا لاح لك أنَّه لعداوةٍ أو لِمَذهبٍ أو لِحَسدٍ، وما ينجو منه إلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللهُ، وما علمتُ أنَّ عصرًا مِنَ الأعصار سَلِمَ أهلُهُ مِنْ ذلك سِوَى الأنبياءِ والصِّدِّيقين، ولو شئتُ لسَرَدْتُ مِنْ ذلك كراريسَ»(٥).

وقال ابنُ عبد البرِّ ـ رحمه الله ـ: «إنَّ مَنْ صَحَّت عدالتُهُ، وثبتَتْ في العلم إمامتُهُ، وبانت ثقتُهُ وبالعِلم عنايتُه لم يُلتفَتْ إلى قولِ أحَدٍ إلَّا أَنْ يأتيَ في جَرْحَتِه بِبَيِّنَةٍ عادلةٍ يصحُّ بها جرحُهُ على طريق الشَّهادات والعمل فيها مِنَ المُشاهدات والمُعاينة»(٦).

هذا، ولا ينبغي أَنْ يُفهم أنَّ قاعدةَ: «الجَرْحُ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّعْدِيلِ» على إطلاقها، بحيث تردُّ قاعدةَ: «كَلاَمُ الأَقْرَانِ فِي بَعْضٍ يُطْوَى وَلاَ يُرْوَى»؛ لأنَّ الصَّحيح أنَّه إذا لم تدلَّ على جَرحِه بيِّنةٌ عادلةٌ بقِيَتْ عدالتُهُ قائمةً، خاصَّةً إذا كَثُرَ مادِحُوه، وقَلَّ جارِحُوه؛ قال التَّاجُ السُّبكيُّ ـ رحمه الله ـ: «الحذر كُلَّ الحذر أَنْ تفهم قاعدتَهم: «الجرح مُقدَّمٌ على التَّعديل» على إطلاقها، بل الصَّواب أنَّ مَنْ ثبتت إمامتُه وعدالتُه وكَثُرَ مادِحُوه وندر جارحوه، وكانت هناك قرينةٌ دالَّةٌ على سبب جرحه مِنْ تعصُّبٍ مذهبيٍّ أو غيرِه لم يُلتفَتْ إلى جرحه»(٧)، ثمَّ زاد ـ رحمه الله ـ قائلًا: «عرَّفْناك أنَّ الجارح لا يُقبَل منه الجرحُ وإِنْ فَسَّره في حقِّ مَنْ غَلَبت طاعتُهُ على معاصيه، ومادحوه على ذامِّيه، ومُزَكُّوه على جارحيه، إذا كانت هناك منافسةٌ دنيويَّةٌ، كما يكون بين النُّظراء أو غيرِ ذلك، وحينئذٍ فلا يُلتفَتُ لكلام الثَّوريِّ وغيرِه في أبي حنيفة، وابنِ أبي ذئبٍ وغيرِه في مالكٍ، وابنِ مَعينٍ في الشَّافعيِّ، والنَّسائيِّ في أحمدَ بنِ صالحٍ ونحوِه، ولو أَطلَقْنا تقديمَ الجرحِ لَمَا سَلِمَ لنا أحَدٌ مِنَ الأئمَّةِ، إذ ما مِنْ إمامٍ إلَّا وقد طَعَنَ فيه الطَّاعنون، وهَلَكَ فيه الهالكون»(٨).

أمَّا إذا قامت البيِّنةُ العادِلةُ على خطئه أو عُرِضَ كلامُهُ على الكِتاب والسُّنَّة فخالفهما فإنَّ قولَه مردودٌ، ولا يَلْزَمُ ـ حَسَب قواعدِ أهل العلم ـ أَنْ يُبدَّعَ أو يُحكَم بخروجه مِنْ أهل السُّنَّة بمجرَّدِ خطئِه في المَسائل العِلميَّةِ والعَمَليَّةِ، فإِنْ أَصرَّ على خطئه أو بانت معصيتُهُ فالجَرح المُفسَّر مقدَّمٌ على التَّعديل لاشتماله على زيادة علمٍ.

أمَّا إِنْ جهل مراده فينظر في سيرة المُجتهد: إِنْ كانت حَسنةً حمل كلامه على الوجه الحسن لقوله تعالى: ﴿وَٱلۡبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخۡرُجُ نَبَاتُهُۥ بِإِذۡنِ رَبِّهِۦ[الأعراف: ٥٨]، وإِنْ كانت سيرتُهُ غيرَ ذلك حمل كلامه على الوجه السَّيِّئِ لقوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِي خَبُثَ لَا يَخۡرُجُ إِلَّا نَكِدٗا[الأعراف: ٥٨].

أمَّا إذا عرف مراد المُتكلِّم لكنَّه جهل حُكْمَ الشَّرع فيه، فالواجب أَنْ يُمسِك عنه، ولا يجوز له أَنْ يتكلَّم إلَّا بعلمٍ، فالعلمُ ما قام الدَّليلُ عليه، وشَهِدَ له البرهانُ وأيَّدَتْه الحُجَّة.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في ٢٠ جمادى الأولى ١٤٢٨ﻫ
المُوافـــق ﻟ: ٠٦ جــــــوان ٢٠٠٧م



(١) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة» بابُ أجرِ الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ (٧٣٥٢)، ومسلمٌ في «الأقضية» بابُ بيانِ أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ (١٧١٦)، مِنْ حديثِ عمرو بنِ العاص رضي الله عنه.

(٢) «مجموع الفتاوى» لابن تيميَّة (٢٩/ ٤٤).

(٣) انظر ذِكرَ قصَّةِ البخاريِّ مع محمَّد بنِ يحيى الذُّهليِّ رحمهما الله في «سِيَر أعلام النُّبَلاء» للذهبي (١٢/ ٤٥٣ وما بعدها).

(٤) «سِيَر أعلام النُّبَلاء» للذهبي (٧/ ٤٠ ـ ٤١).

(٥) «ميزان الاعتدال» للذهبي (١/ ١١١).

(٦) «جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ١٥٢).

(٧) «طبقات الشافعيَّة» للسبكي (١/ ١٨٨).

(٨) المصدر السابق: (١/ ١٩٠).