في حكم تَكرار العمرة | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 18 ذي الحجة 1445 هـ الموافق لـ 24 يونيو 2024 م

الفتوى رقم: ٧١٢

الصنف: فتاوى الحجِّ والعُمرة ـ العُمرة

في حكم تَكرار العمرة

السؤال:

ما حُكْمُ تَكرار العمرة؟ وما وجه الرَّدِّ على استدلال المانعين بأنَّ العمرة هي الحجُّ الأصغر، والحجُّ لا يُشرَع في العام إلَّا مرَّةً واحدةً؟ وهل يجوز الاعتمارُ في شهر ذي الحِجَّة بعد أداء مناسك الحجِّ؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فيجوزُ الاعتمارُ في أيِّ شهرٍ مِنَ السَّنَة، قبل الحجِّ وفي أشهره وبعده عند جمهور أهل العلم، وإيقاعُها في رمضان أفضلُ لقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً» أَوْ «حَجَّةً مَعِي»(١).

ويُستحَبُّ عند الجمهور تكرُّرُ العمرة في السَّنَة الواحدة إذا تعدَّدَتْ أسفارُ المعتمر، وهو مرويٌّ عن ابنِ عمر وابنِ عبَّاسٍ وعائشة وغيرِهم رضي الله عنهم، وبه قال الشافعيُّ وأحمد.

خلافًا لمالكٍ وبعضِ السلف، واختاره ابنُ تيمية؛ لأنَّ الصحابة رضي الله عنهم لم يزيدوا على عمرةٍ واحدةٍ في العام، فالزِّيادةُ على فعلهم مكروهةٌ.

ودليل الاستحباب عند الجمهور قوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا..»(٢)، ويظهر منه الإطلاقُ؛ لتركه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم التفصيلَ والتقييد لوقت العمرة؛ لذلك تبقى ساريةً على إطلاقها؛ عملًا بقاعدةِ: «المُطْلَقُ يُجْرَى عَلَى إِطْلَاقِهِ»، ويؤيِّده أنَّ عائشة رضي الله عنها اعتمرَتْ مرَّتين في شهرٍ بأمر النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: العمرة الأولى التي كانت مع الحَجَّة، والعمرة الثانية التي اعتمرتها مِنَ التنعيم.

أمَّا القول بأنَّ الصحابة لم يعتمروا في عامٍ مرَّتين فتُكرَه الزيادةُ على فِعْلهم فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ فإنه قد رُوِيَ عن عليٍّ وابنِ عمر وابنِ عبَّاسٍ وعائشة رضي الله عنهم خلافُه.

أمَّا إلحاقُ العُمْرة بالحجِّ فهو قياسٌ مع الفارق؛ لأنَّ العمرة ليسَتْ مقيَّدةً بوقتٍ تفوت به، بخلاف الحجِّ فمحدودٌ وقتُه يفوت بِفَوَاتِ وقته فَافْتَرَقَا.

وقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجَنَّة» ففيه تفريقٌ بين الحجِّ والعمرة في التَّكرارِ وتنبيهٌ على ذلك، إذ لو كانَتِ العمرةُ كالحجِّ لا تُفعَلُ إلَّا مرَّةً لَسَوَّى بينهما ولم يُفرِّق(٣).

وهذا إنما يتقرَّر إذا تكرَّرَتِ العمرةُ مع تعدُّد سفر المعتمر.

أمَّا في سفرةٍ واحدةٍ فعلى الصحيح في المسألة: عدمُ مشروعية تعدُّد العُمَر في سفرةٍ واحدةٍ بالخروج مِنْ مكَّة إلى التنعيم ليعتمر فيها.

قال ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ: «ولم يكن صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم في عُمَرِهِ عُمْرَةٌ واحدةٌ خارجًا مِنْ مَكَّةَ كما يفعله كثيرٌ مِنَ الناس اليومَ، وإنما كانَتْ عُمَرُهُ كُلُّها داخلًا إلى مكَّة، وقد أقام بعد الوحي بمكَّةَ ثلاثَ عَشْرَةَ سنةً لم يُنقَل عنه أنه اعتمر خارجًا مِنْ مكَّةَ في تلك المدَّة أصلًا، فالعمرةُ التي فَعَلها رسولُ الله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم وشَرَعها هي عمرةُ الداخل إلى مكَّة، لا عمرةُ مَنْ كان بها فيخرج إلى الحِلِّ لِيعتمرَ، ولم يفعل هذا على عهده أحدٌ قطُّ إلَّا عائشة وَحْدَها مِنْ بين سائرِ مَنْ كان معه؛ لأنها كانَتْ قد أهلَّتْ بالعُمرة فحاضت، فأَمَرها فأَدْخَلَتِ الحجَّ على العمرة وصارَتْ قارنةً، وأخبرها أنَّ طوافها بالبيت وبين الصَّفا والمروة قد وَقَع عن حجَّتِها وعُمرتها، فوَجَدَتْ في نفسها أَنْ يَرجعَ صواحباتُها بحجٍّ وعمرةٍ مُستقِلَّيْن ـ فإنَّهنَّ كُنَّ متمتِّعاتٍ ولَمْ يَحِضْنَ ولم يَقْرِنَّ ـ وترجعَ هي بعمرةٍ في ضِمنِ حجَّتِها؛ فأَمَر أخاها أَنْ يُعْمِرها مِنَ التنعيم تطييبًا لقلبها، ولم يعتمر هو مِنَ التنعيم في تلك الحَجَّةِ ولا أحدٌ ممَّنْ كان معه»(٤).

هذا، ولا مانِعَ مِنْ أَنْ يعتمر بعد فراغه مِنْ مناسك الحجِّ إذا كان عائدًا ـ مثلًا ـ مِنْ زيارته للمسجد النبويِّ أو خروجِه إلى الميقات إِنْ أراد أَنْ يكرِّر عُمرتَه، وخاصَّةً ممَّنْ لم يَسَعْه الوقتُ لأداءِ عُمرته؛ لِمَا أخرجه البيهقيُّ «أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا كَانَتْ تَعْتَمِرُ فِي آخِرِ ذِي الحِجَّةِ مِنَ الجُحْفَةِ»(٥) أي: أنها كانت إذا حجَّت تمكث إلى أَنْ يهِلَّ المُحرَّمُ، ثمَّ تخرج إلى الجُحفةِ فتُحرِم منها بعمرةٍ(٦).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٤ صفر ١٤٢٨ﻫ
الموافق ﻟ: ٤ مارس ٢٠٠٧م

 



(١) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «جزاء الصيد» بابُ حجِّ النِّساء (١٨٦٣)، ومسلمٌ في «الحجِّ» (١٢٥٦)، مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما.

(٢) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «العُمرة» بابُ وجوبِ العُمرة وفضلِها (١٧٧٣)، ومسلمٌ في «الحجِّ» (١٣٤٩)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٣) انظر: «زاد المَعاد» لابن القيِّم (٢/ ١٠٠).

(٤) المصدر السَّابق (٢/ ٩٤).

(٥) أخرجه البيهقيُّ في «السُّنن الكبرى» (٨٧٢٦) عن سعيد بنِ المسيِّب ـ رحمه الله ـ. قال الألبانيُّ في «السِّلسلة الصَّحيحة» (٦/ ٢٥٨): «إسناده صحيحٌ».

(٦) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٦/ ٩٢).