في عَضْل الوليِّ مولِّيتَه مِنَ الزواج مِنْ كفءٍ | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 15 شوال 1445 هـ الموافق لـ 24 أبريل 2024 م



الفتوى رقم: ٧٥٧

الصنف: فتاوى الأسرة ـ عقد الزواج ـ الكفاءة

في عَضْل الوليِّ مولِّيتَه مِنَ الزواج مِنْ كفءٍ

السؤال:

رجلٌ تُوُفِّيَتْ زوجتُه، وله بنتٌ في سِنِّ الزواج، تقدَّم إليها عِدَّةُ خُطَّابٍ فرَفَضهم أبوها كُلَّهم لإبقائها في خدمته، وتخشى تَقَدُّمَ سِنِّها بحيث لا يُرْغَب في الزواج بها، فهل تنتقل الولايةُ مِنَ الأب لدفعِ الضرر عنها أم لا؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فيُفرَّق في امتناعِ وليِّ المرأةِ عن تزويجها بين حالتين:

ـ فإِنْ كان امتناعُ وَلِيِّها عن تزويجها بسببِ عُذْرٍ شرعيٍّ مقبولٍ: كأَنْ يكون الخاطِبُ غيرَ كُفْءٍ لها، أو لوجودِ خاطبٍ آخَرَ أَوْلَى منه كفاءةً ودِينًا وخُلُقًا؛ فإنَّ الولايةَ تبقى قائمةً وثابتةً له ولا تنتقل إلى غيره.

ـ أمَّا إذا كان الامتناعُ لأسبابٍ تتضمَّن ظُلْمًا وهَضْمًا لحقِّها في الزواج: كأَنْ يَتَقدَّم إليها مَنْ هو كُفءٌ ترضى دِينَه وخُلُقَه، فيمنعها الولِيُّ عن التزوُّج به؛ فإنَّ ذلك يُعَدُّ عَضْلًا لمولِّيَتِه لا حقَّ له فيه، وهو حرامٌ باتِّفاق أهل العلم؛ لِمَا أخرجه البخاريُّ وغيرُه: «أَنَّ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ(١) كَانَتْ أُخْتُهُ تَحْتَ رَجُلٍ، فَطَلَّقَهَا ثُمَّ خَلَّى عَنْهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، ثُمَّ خَطَبَهَا؛ فَحَمِيَ مَعْقِلٌ مِنْ ذَلِكَ أَنَفًا فَقَالَ: «خَلَّى عَنْهَا وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهَا ثُمَّ يَخْطُبُهَا!»، فَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَإِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعۡضُلُوهُنَّ[البقرة: ٢٣٢] إِلَى آخِرِ الآيَةِ، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم فَقَرَأَ عَلَيْهِ، فَتَرَكَ الحَمِيَّةَ وَاسْتَقَادَ لِأَمْرِ اللهِ»(٢).

أمَّا في حالةِ «العَضْل» فإنَّ الولاية تنتقل مباشَرةً إلى الولاية العامَّة المُتمثِّلةِ في ولاية القاضي حالةَ رفعِ أَمْرِها له، ولا تنتقل إلى مَنْ يَلي الوَلِيَّ العاضِل في الرتبة مِنَ الأولياء؛ ذلك لأنَّ «العَضْل» ظلمٌ، وولايةُ رفعِ الظلمِ مُسْنَدَةٌ إلى القاضي.

أمَّا إذا لم يُوجَدِ القاضي أو إذا تعذَّر على المرأةِ الوصولُ إليه فإنَّه يُزوِّجُها أحَدُ أوليائها مِمَّنْ يَلي ولايةَ العاضِل، فتكونُ ولايتُه مِنْ قبيل التحكيم، و«المُحَكَّمُ يَقُومُ مَقَامَ الحَاكِمِ» على ما قرَّره الإمامُ الشافعيُّ ـ رحمه الله ـ، وللأب أَنْ يتَّخِذ لنَفْسِه زوجةً تخدمه، فإِنْ لم تجد زوَّجها إمامٌ راتبٌ، وإلَّا زوَّجها أيُّ مؤمنٍ مِنَ المؤمنين لقوله تعالى: ﴿وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖ[التوبة: ٧١].

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢ ذو القعدة ١٤١٧ﻫ
الموافق ﻟ: ١١ مارس ١٩٩٧م

 



(١) هو أبو عبد الله مَعْقِلُ بنُ يسار بن عبد الله المُزَنيُّ رضي الله عنه، أَسْلَمَ قبل الحديبية، وشَهِدَ بيعةَ الرِّضوان، وإليه نُسِب نَهْرُ مَعْقِلٍ بالبصرة، الذي حَفَرَه بأمرٍ مِنْ عمر بنِ الخطَّاب رضي الله عنه. مات رضي الله عنه في آخِرِ خلافة معاويةَ بنِ أبي سفيان رضي الله عنهما، وذَكَرَه البخاريُّ في «فضلِ مَنْ مات بين السِّتِّين والسبعين». [انظر ترجمته في: «الاستيعاب» لابن عبد البرِّ (٣/ ١٤٣٢)، «أُسْد الغابة» لابن الأثير (٤/ ٣٩٨)، «الإصابة» لابن حجر (٣٤٤٧)].

(٢) أخرجه البخاريُّ في «الطلاق» باب: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ في العِدَّة، وكيف يُراجِع المرأةَ إذا طلَّقها واحدةً أو ثنتين؟ (٥٣٣١) مِنْ حديثِ مَعْقِل بنِ يسارٍ رضي الله عنه.