في حكمِ أمر الوالدةِ ابْنَها بطلاقِ زوجته | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 22 ذي القعدة 1445 هـ الموافق لـ 30 مايو 2024 م



الفتوى رقم: ٩٣٦

الصنف: فتاوى الأسرة ـ انتهاء عقد الزواج ـ الطلاق

في حكمِ أمر الوالدةِ ابْنَها بطلاقِ زوجته

السؤال:

إذا أمَرَتِ الأُمُّ ابْنَها بطلاقِ زوجتِه إِثرَ خصوماتٍ وقعَتْ بين الأُمِّ وبين عائلةِ زوجته، لا دَخْلَ للزوجة فيها، علمًا بأنَّ الزوجة ظاهرةٌ في الاستقامة والصلاح، فهل تجب طاعةُ الأمِّ في أمرها بالطلاق؟ أفيدونا ـ جزاكم الله خيرًا ـ.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالمعلوم أنَّ النصوص الشرعيَّة المتعلِّقةَ بالوالدَيْن وطاعتِهما كثيرةٌ، فإنها تأمر بِبِرِّهما والإحسان إليهما؛ كقوله تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًا[الإسراء: ٢٣]، غير أنَّ تنفيذَ أمرِهما وطاعتَهما إنما يكون مُقيَّدًا بالمعروف دون المعصية والمُنكَر؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِن جَٰهَدَاكَ عَلَىٰٓ أَن تُشۡرِكَ بِي مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٞ فَلَا تُطِعۡهُمَاۖ وَصَاحِبۡهُمَا فِي ٱلدُّنۡيَا مَعۡرُوفٗا[لقمان: ١٥]، ولقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ»(١).

وعليه، فإذا أمَرَتِ الوالدةُ ابْنَها بطلاقِ زوجته وكانَتِ الأسبابُ الدافعة مبنيَّةً على مجرَّد الهوى والتشهِّي في التفريق بين المرء وزوجِه، أو مِنْ أجل العداوة والبغضاء التي حدثَتْ مِنْ جرَّاء الخصومات بين العائلتين التي لا دَخْلَ لزوجةِ ابْنِها فيها، وإنما أرادَتِ الأمُّ أَنْ تثأر لنفسها بالأمر بالطلاق نكايةً بالزوجة وبأهلها؛ فإنَّ هذا الأمر غيرُ مبنيٍّ على سببٍ شرعيٍّ صحيحٍ، فلا يَلْزَمُ الابنَ طاعةُ والِدَتِه بتنفيذِ أمرِها بتحقيقِ شهوة التعدِّي بالطلاق؛ إذ «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ»(٢)؛ وخاصَّةً إِنْ ظهرَتْ في زوجته خِصالُ التقوى وعلاماتُ الصلاح والاستقامةِ طيلةَ مكوثها في بيت الزوجيَّة؛ بل الواجبُ نصرةُ أمِّه بتركِ طلاقها لئلَّا تقع في ظلمِ غيرِها والتعدِّي على حياة الزوجين بسبب العداوة الواقعة بين الأسرتين؛ لقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا»، فَقَالَ رَجُلٌ: «يَا رَسُولَ اللهِ، أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟!» قَالَ: «تَحْجُزُهُ ـ أَوْ تَمْنَعُهُ ـ مِنَ الظُّلْمِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ»(٣).

أمَّا إذا كان أمرُ الوالدةِ ابنَها بطلاقِ زوجته مؤسَّسًا على سببٍ شرعيٍّ تتحقَّق مصلحتُه الشرعيَّة، كأَنْ تكون زوجتُه مُتَّهَمةً ـ حقيقةً ـ بشرٍّ، سواءٌ بتعاطيها السحرَ والكهانة، أو في تصرُّفاتها مع الرجال الأجانب، أو ثَبَت عليها السرقةُ أو الخيانةُ الزوجيَّة، أو كونُها تخرج مِنَ البيت في أوقاتٍ مشبوهةٍ بغيرِ إذنٍ، أو عُلِم أنها تاركةٌ للفرائض والمَباني أو سيِّئةُ الخُلُق ونحو ذلك، وثَبَت عليها ذلك ثبوتًا مؤكَّدًا لا مُجرَّد دعوى؛ فإنَّ ذلك يعكس أنَّ حُكْمَ والِدَتِه وميزانَها في تقويمِ زوجته كان عدلًا وقَصْدَها حسنًا؛ فإنه ـ والحالُ هذه ـ يجب طاعةُ والِدَتِه بتطليقها؛ عملًا بمقتضَى حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما قال: «كَانَتْ تَحْتِي امْرَأَةٌ أُحِبُّهَا، وَكَانَ أَبِي يَكْرَهُهَا، فَأَمَرَنِي أَبِي أَنْ أُطَلِّقَهَا فَأَبَيْتُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم فَقَالَ: «يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، طَلِّقِ امْرَأَتَكَ»»(٤)؛ والحديث دلَّ على أنَّ مِنْ حقِّ الوالد إذا كان عدلًا وقصدُه حسنًا إذا كَرِه مِنْ زوجةِ ابْنِه أشياءَ كراهةً شرعيَّةً أَنْ يسأله طلاقَها، وعليه أَنْ يُجيبَه إلى ذلك إذا عَلِم أنها لا تَرتدِعُ ولا تسلك سبيلَ الصالحات؛ وإذا كان ذلك في حقِّ الوالد على ولده كان في حقِّ الوالدة على ولَدِها أَوجبَ ولولدها ألزمَ؛ لأنَّ حقَّ الوالدةِ على الولد يتجاوز حقَّ الوالد عليه إذا كان بالاعتبار الشرعيِّ السالفِ البيان.

قال أبو جعفرٍ الطحاويُّ ـ رحمه الله ـ: «والذي يُؤمَرُ به الولدُ في هذا غيرُ مُبيحٍ له فيه طلاقَ زوجته في الموضع الذي نَهَاهُ اللهُ عزَّ وجلَّ عن طلاقها فيه، وإنما هو طلاقُه إيَّاها في الموضع الذي أباح اللهُ الطلاقَ فيه لا في ضِدِّه»(٥).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٥ شعبان ١٤٢٩ﻫ
الموافق ﻟ: ١٦ أوت ٢٠٠٨م

 



(١) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الأحكام» باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية (٧١٤٥)، ومسلمٌ في «الإمارة» (١٨٤٠)، مِنْ حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه.

(٢) أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (١٨/ ١٧٠) مِن حديث عِمْران بنِ حُصَيْنٍ الخُزاعيِّ رضي الله عنه. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٧٥٢٠)، وانظر: «مجمع الزوائد» للهيثمي (٥/ ٢٢٦)، و«السلسلة الصحيحة» للألباني (١/ ٣٥٠).

(٣) أخرجه البخاريُّ في «المظالم» باب: «أَعِنْ أخاك ظالمًا أو مظلومًا» (٢٤٤٤) وفي «الإكراه» بابُ يمين الرَّجل لصاحِبِه: «إنَّه أخوه» إذا خاف عليه القتلَ أو نحوَه (٦٩٥٢) مِنْ حديثِ أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه. وأخرجه مسلمٌ في «البرِّ والصِّلَة والآداب» (٢٥٨٤) مِنْ حديثِ جابرٍ رضي الله عنه.

(٤) أخرجه أبو داود في «الأدب» بابٌ في بِرِّ الوالدَيْن (٥١٣٨)، والترمذيُّ في «الطلاق واللِّعان» بابُ ما جاء في الرَّجل يسأله أبوه أَنْ يطلِّق زوجتَه (١١٨٩)، وابنُ ماجه في «الطلاق» بابُ الرَّجل يأمره أبوه بطلاقِ امرأته (٢٠٨٨)، مِنْ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما. وصحَّحه أحمد شاكر في تحقيقه ﻟ «مسند أحمد» (٩/ ١٨١)، وحسَّنه الألبانيُّ في «صحيح الترمذي» (١١٨٩) وفي «السلسلة الصحيحة» (٩١٩). وانظر: «الإرواء» للألباني (٧/ ١٣٦).

(٥) «شرح مُشكِل الآثار» للطحاوي (٣/ ٤١٩).