المبحث الأوَّل: معنى النِّيَّة في اللغة والاصطلاح | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 16 المحرم 1446 هـ الموافق لـ 22 يوليو 2024 م

 

 

المبحث الأوَّل:
معنى النِّيَّة في اللغة والاصطلاح

النِّيَّة ـ في الاشتقاق اللغويِّ ـ مصدرُ «نَوَى الشيءَ ينويه نِيَّةً ونَوَاةً»، وأصلُها «نِوْيَة» بكسر النُّون وسكونِ الواو، ووزنُها فِعْلَة، اجتمعَتِ الواو والياء وسُبِقَتْ إحداهما بالسُّكون فقُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدغِمَتْ في الياء(١)، والنِّيَّة ـ وإِنْ كانت مصدرًا ـ فإنَّها تُجمَع على نِيَّاتٍ باعتبارِ تنوُّعها.

والنِّيَّة ـ في مدلولها اللُّغويِّ ـ تدور على القصد؛ قال ابنُ فارسٍ ـ رحمه الله ـ(٢): «[نَوَى] الأمرَ يَنوِيه إذا قَصَد له؛ وممَّا يُصحِّحُ هذه التآويلَ قولُهُم: نَوَاه اللهُ كأنه قَصَده بالحفظ والحياطة؛ قال:

يَا عَمْرُو أَحْسِنْ ـ نَوَاكَ اللهُ بِالرَّشَدِ ـ **** وَاقْرَأْ سَلَامًا عَلَى الذَّلْفَاءِ بِالثَّمَدِ(٣)

أي: قَصَدَك بالرَّشَد؛ والنِّيَّةُ: الوجه الذي تَنْويه؛ ونَوِيُّك: صاحبُك نِيَّتُهُ نِيَّتُكَ»(٤).

وإِنْ كان غالبُ استعمالِ النِّيَّة على العزم؛ قال الفيُّوميُّ ـ رحمه الله ـ(٥): «خُصَّتِ النِّيَّةُ ـ في غالب الاستعمال ـ بعزم القلب على أمرٍ مِنَ الأمور»(٦)، وجاء في «اللِّسان»: «نَوَيْتُ نِيَّةً ونَوَاةً أي: عزمتُ؛ وانتوَيْتُ مثلُه»(٧).

والنِّيَّة ـ في الاصطلاح الشَّرعيِّ ـ لها ثلاثةُ معانٍ: أعَمُّ وعامٌّ وخاصٌّ.

أ/  النِّيَّة بمعناها الأعمِّ هي: «عمل القلب»(٨) كما عرَّفها ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ أو «وِجهةُ القلب»(٩) كما عرَّفها سليمان التَّيميُّ(١٠) ـ رحمه الله ـ، لكنَّ هذا التَّعريفَ السابق بعمومه المُطلَق غيرُ مانعٍ مِنِ اشتماله على ما ليس بقصدٍ ولا عزمٍ إِنْ كان إرادةً، إذ الإرادة قد لا تكون نِيَّةً ـ مِنْ جهةٍ ـ مثل الشَّهوة والمشيئة والهمِّ والهاجس والخاطر وحديث النَّفس، ومِنْ جهةٍ أخرى فإنَّ عمل القلبِ ووِجهتَه قد لا يكون إرادةً، بل رغبةً أو رهبةً أو خجلًا أو كراهِيَةً أو خوفًا أو حُبًّا وما إلى ذلك، لذلك كان تعريفُ النِّيَّة بأنَّها عملُ القلب ووِجهتُه أعَمَّ مِنَ المعرَّف.

ب/  النِّيَّة بمعناها العامِّ: فقَدْ عرَّفها القرافيُّ ـ رحمه الله ـ بقوله: «قصدُ الإنسان بقلبه ما يريده بفعله»(١١)، وعرَّفها القاضي البيضاويُّ(١٢) ـ رحمه الله ـ ـ أيضًا ـ بتعريفٍ عامٍّ، وهو أنَّها: «عبارةٌ عن انبعاث القلب نحوَ ما يراه مُوافِقًا لغرضٍ مِنْ جلبِ نفعٍ أو دفعِ ضرٍّ حالًا أو مآلًا»(١٣)، هذا، والتَّعريف مقيَّدٌ بما يميِّزه عمَّا عداه، وتظهر شموليَّةُ هذا المعنى العامِّ للأعمال الدُّنيويَّة والأخرويَّة، فضلًا عن عمومِ تناوُله للإرادة الجازمة منها وغيرِ الجازمة.

ج/  أمَّا النِّيَّة بمعناها الخاصِّ فقَدْ عرَّفها البيضاويُّ ـ رحمه الله ـ بأنَّها: «الإرادة المتوجِّهة نحوَ الفعل ابتغاءً لوجه الله تعالى وامتثالًا لحُكمه»(١٤)، أو هي: «قصدُ الطَّاعة والتَّقرُّب إلى الله تعالى في إيجاد الفعل(١٥) أو الكفِّ عنه».

ـ يُتبع ـ



(١) انظر: «منتهى الآمال» للسيوطي (٨١).

(٢) هو أبو الحسن أحمدُ بنُ فارس بنِ زكريَّا القزوينيُّ الرازيُّ؛ الإمامُ اللغويُّ المُفسِّر؛ كان نحويًّا على طريقةِ الكوفيِّين؛ له تصانيفُ كثيرةٌ منها: «مَقاييسُ اللغة»، و«غريبُ إعراب القرآن»، و«جامعُ التأويل في تفسير القرآن»، و«سيرةُ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم»، و«حِليةُ الفُقَهاء»؛ تُوُفِّيَ سَنَةَ: (٣٩٥ﻫ).

انظر ترجمته في: «الإعلام بمنثورِ تراجم المشاهير والأعلام» (ص ٣٤).

(٣) وفي «لسان العرب» لابن منظور (١٤/ ٣٤٤): «واقْرَا السَّلَامَ عَلَى الأَنْقَاءِ والثَّمَدِ».

(٤) «مقاييس اللغة» لابن فارس (٥/ ٣٦٦).

(٥) هو أبو العبَّاس أحمدُ بنُ محمَّد بنِ عليٍّ؛ المقرئُ الفيُّوميُّ المصريُّ ثمَّ الحَمَويُّ الشاميُّ؛ فقيهٌ ولُغَويٌّ؛ مِنْ مؤلَّفاته: «المصباح المنير في غريب الشرح الكبير»، و«نثر الجُمَان في تراجم الأعيان»، وديوانُ خُطَب؛ تُوُفِّيَ سَنَةَ: (٧٧٠ﻫ).

انظر ترجمته في: «الدُّرَر الكامنة» لابن حجر (١/ ٣١٤)، «بُغية الوُعَاة» للسيوطي (١٧٠)، «كشف الظنون» لحاجي خليفة (١٧١٠)، «الأعلام» للزركلي (١/ ٢٢٤)، «مُعجَم المؤلِّفين» لكحالة (١/ ٢٨١).

(٦) «المصباح المنير» للفيُّومي (٢/ ٦٣٢).

(٧) «لسان العرب» لابن منظور (١٤/ ٣٤٣).

(٨) «بدائع الفوائد» لابن القيِّم (٣/ ١٩٢).

(٩) «شرح البخاري» للكرماني (١/ ١٨)، «عمدة القاري» للعيني (١/ ٢٣)، «منتهى الآمال» للسيوطي (٨٢).

(١٠) هو أبو محمَّدٍ سليمانُ بنُ بلالٍ القُرَشيُّ التَّيْميُّ مولى القاسم ابنِ محمَّد بنِ أبي بكرٍ الصِّدِّيق؛ الفقيه المفتي، أحَدُ علماء البصرة؛ قال ابنُ سعد: «كان بربريًّا جميلًا، حَسَنَ الهيئة عاقلًا، وكان يفتي بالبلد، ووَلِيَ خَرَاجَ المدينة.. وكان ثقةً كثيرَ الحديث»؛ تُوُفِّيَ سَنَةَ: (١٧٢ﻫ).

انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» لابن سعد (٥/ ٤٢٠)، «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (٤/ ١٠٣)، «سِيَر أعلام النُّبَلاء» للذهبي (٧/ ٤٢٥)، «تهذيب التهذيب» لابن حجر (٤/ ١٧٥)، «طبقات الحُفَّاظ» للسيوطي (٧١)، «شذرات الذهب» لابن العماد (١/ ٢٨٠).

(١١) «الذخيرة» للقرافي (١/ ٢٤٠)، «مواهب الجليل» للحطَّاب (٢/ ٢٣٠).

(١٢) هو القاضي أبو الخيرِ ناصرُ الدِّينِ عبدُ الله بنُ عمر بنِ محمَّد ابنِ عليٍّ البيضاويُّ الشافعيُّ الأشعريُّ؛ الإمام الأصوليُّ الفقيه، صاحِبُ التصانيفِ الكثيرة، منها: «المصباحُ» في أصول الدِّين، و«الغايةُ القُصوى» في الفقه، و«المنهاجُ» في أصول الفقه، و«أنوارُ التنزيل» في التفسير؛ وَلِيَ القضاءَ بشِيرازَ؛ وتُوُفِّيَ سَنَةَ: (٦٨٥ﻫ ـ ١٢٨٦م).

انظر ترجمته في: «الإعلام بمنثورِ تراجم المشاهير والأعلام» (ص ٢٢٣).

(١٣) انظر: «الأشباه والنظائر» للسيوطي (٣٠)، «فيض القدير» للمناوي (١/ ٣٠)، «الأشباه والنظائر» لابن نُجَيْم (٢٤).

(١٤) انظر: «منتهى الآمال» للسيوطي (٨١).

(١٥) انظر: «الأشباه والنظائر» لابن نُجَيْم (٢٤).