في حُكمِ صومِ مَنِ ابتَلعَ نُخامةً | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الجمعة 8 جمادى الأولى 1444 هـ الموافق لـ 02 ديسمبر 2022 م

الفتوى رقم: ١٣٠١

الصنف: فتاوى الصيام ـ المفطِّرات.

في حُكمِ صومِ مَنِ ابتَلعَ نُخامةً

السؤال:

شيخَنا، قُلتم ـ حَفِظكم الله ـ في فتوَى لكم برقم: (٧٣٧) موسومةٍ بعنوانِ: «في المُعتبَرِ في مفطِّرات الصيام»: «فالمُعتبَرُ في الإفطار بالأكل والشُّرب إنَّما هو تعمُّدُ إدخالِ شيءٍ مِنَ المُفطِّرات إلى الجوف بالطَّريق المُعتاد وهو الفَمُ، ويُلْحَق به المَنْخِرُ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا»(١)، سواءٌ حصَلَ له الإدخالُ إلى الجوف بما هو مُغَذٍّ أو بما ليس بِمُغذٍّ، بما ينفع أو يضرُّ أو بما لا ينفع ولا يضرُّ، تحلَّل في الجوف أو لم يتحلَّل».

فهل يدخل في هذا المُعتبَرِ: بلعُ النُّخامةِ سواءٌ نزلت إلى الفمِ أو إلى الحلقِ مباشرةً؟

وجزاكم اللهُ خيرًا وبارك في عِلمِكم.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فإذا نَفَذَتِ النُّخامةُ أو النُّخاعةُ(٢) مِنْ أنفِه أو خياشِيمه إلى حلقِ الصَّائمِ مِنْ غيرِ أَنْ تَخرجَ إلى فَمِه فلا أعلمُ خلافًا في أنَّها لا تُفطِّرُ الصَّائمَ، باعتبارِ أنَّها لم تُجاوِزِ اللَّهاةَ، وهي اللَّحمةُ المُتَدلِيَةُ الفاصِلةُ بين الحَلقِ والفَمِ(٣).

وهذا الحُكمُ نفسُه يَنطبقُ على النُّخامةِ ونحوِها إِنْ كانت بَلغمًا(٤)رقيقًا أو مُخاطًا(٥) سائلًا، أي لا يُشكِّل كُتلةً غليظةً أو ثقيلةً ـ كما هو حال النُّخامة ـ ويختلِطُ البَلغمُ والمُخاطُ ـ غالبًا ـ مع الرِّيقِ، فإِنِ ابتلعَهما معه فلا يَضرُّ صومه لأنَّهما في حكمِ الرِّيقِ، بَلْه إِنْ كان ذلك رغمًا عنه بغيرِ اختيارٍ أو ابتَلعَهما ناسيًا غيرَ عامدٍ، فليس عليه شيءٌ في ذلك مِنْ بابٍ أَولى.

ويُكرَه له أَنْ يَبتلِعَ النُّخامةَ ذات الكُتلةِ الغليظةِ عَمدًا أو قَصدًا مع قُدرتِه على إلقائِها وتلفُّظِها إِنْ كان غيرَ صائمٍ؛ لأنَّ النُّخامةَ ـ في حدِّ ذاتِها ـ مُستقذَرَةٌ طبعًا، وقَد تَحملُ أذًى طَرَحَه البَدنُ، فإِنْ أعادَها إلى جوفِه عَمدًا مختارًا ـ وهو صائمٌ ـ فهي مفطِّرةٌ على الصَّحيحِ مِنْ أقوالِ أهلِ العِلمِ؛ لأنَّ لها جِرمًا هو أَشبَهُ بالقَلسِ(٦) أو القَيءِ في الحُكمِ، بمعنَى: أنَّه إِنْ أعادَ بقايا ما خرَجَ مِنْ جوفه مِنَ القَلسِ أو القيءِ باختيارِه مع إمكانِ إلقائِه أَفطَرَ ولا كفَّارةَ عليه.

هذا، ويتجلَّى واضحًا ـ في مسألةِ القَيءِ ـ دليلُ التَّفريق بين العمد والاختيار، وبين النِّسيان والإجبارِ: وذلك فيما ثبَتَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ ذَرَعَهُ القَيْءُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَمَنْ اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَلْيَقْضِ»(٧)؛ قال الترمذيُّ: «والعمل عند أهل العلم على حديثِ أبي هريرة عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «أنَّ الصَّائم إذا ذرَعَه القيءُ فلا قضاءَ عليه، وإذا استقاءَ عمدًا فَلْيَقْضِ»، وبه يقول سفيانُ الثَّوريُّ والشَّافعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ»؛ وما ثبَتَ عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه قال: «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ»(٨)، ولا كفَّارةَ على المتعمِّد في ذلك على الصَّحيح عند أكثرِ العلماء؛ خلافًا لعطاءٍ(٩).

ولا يخفى أنَّ ما تَقرَّر في هذه المسألةِ مِنْ حُكمٍ فهو موافِقٌ لِمَا تقدَّمَ ذِكرُه في «المُعتبَرِ في مفطِّراتِ الصِّيامِ»، لا يَخرجُ عنه ولا يُخالفُ ضوابطَه(١٠).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٤ مِنْ: ذي القَعدة ١٤٤٣ﻫ
الموافـق ﻟ: ٢٣ ﺟـــــــــــوان ٢٠٢٢م



(١) أخرجه أبو داود في «الطهارة» بابٌ في الاستنثار (١٤٢) وفي «الصوم» بابُ الصائمِ يصبُّ عليه الماءَ مِنَ العطش ويُبالِغُ في الاستنشاق (٢٣٦٦)، والترمذيُّ في «الصوم» بابُ ما جاء في كراهِيَةِ مبالَغةِ الاستنشاق للصائم (٧٨٨)، والنسائيُّ في «الطهارة» باب المبالَغة في الاستنشاق (٨٧)، وابنُ ماجه في «الطهارة» باب المبالَغة في الاستنشاق والاستنثار (٤٠٧)، مِنْ حديثِ لَقِيطِ بنِ صَبِرةَ العامريِّ العُقَيْليِّ المُنتفِقيِّ رضي الله عنه. وصحَّحه الألبانيُّ في «الإرواء» (٤/ ٨٥) رقم: (٩٣٥).

(٢) قِيلَ: النُّخاعة هي النُّخامة [«الصِّحاح» للجوهري (٣/ ١٢٨٨، ٥/ ٢٠٤٠)، «مختار الصِّحاح» للرازي (٣٠٧)، «القاموس» للفيروزآبادي (٧٦٥، ١١٦١)]؛ وقال الليث: النُّخاعة: ما يخرج مِنَ الصدر والحلق أو مِنَ الصدر فقط، والنُّخامة: ما يخرج مِنَ الرأس، [«تاج العروس» (٣٣/ ٤٨٤)، وانظر: (٢٢/ ٢٣٦)].

(٣) انظر: «النهاية» لأبي السعادات بنِ الأثير (٤/ ٢٨٤) «الصِّحاح» (٦/ ٢٤٨٧)، «مختار الصِّحاح» للرازي (٢٨٦)، «تاج العروس» للزَّبيدي (٣٩/ ٤٩٩).

(٤) البلغم: خِلْطٌ مِنْ أخلاط البدن، وهو اللُّعاب المُختلِطُ بالمُخاطِ الخارج مِنَ المسالك التَّنفُّسيَّة [انظر: «الصِّحاح» للجوهري (٥/ ١٨٧٤)، «مختار الصِّحاح» للرازي (٣٩)، «القاموس» للفيروزآبادي (١٠٨١)، «تاج العروس» للزَّبيدي (٣١/ ٣٠٥)، «المُعجَم الوسيط» (١/ ٧٠)].

(٥) المُخاطُ: ما يسيل مِنَ الأنف كاللُّعاب مِنَ الفم، وجمعُه أَمخِطةٌ، وقد مَخَطَهُ مِنْ أنفه أي: رمى به، وامْتَخَطَ وتَمَخَّطَ أي: اسْتَنْثَرَ، وامْتَخَطَ سيفَه أي: اختَرَطَه، [انظر: «الصِّحاح» للجوهري (٣/ ١١٥٨)، «مختار الصِّحاح» للرازي (٢٩١)، «القاموس» للفيروزآبادي (٦٨٧)، «تاج العروس» للزَّبيدي (٢٠/ ٩٣، ٩٤)].

(٦) القَلْسُ والقَلَس ـ بالسكون والفتح ـ؛ قال الخليل: القلس: ما خرَجَ مِنَ الحلقِ أو البطن مِنَ الطعام أو الشراب مِلءَ الفم أو دونه وليس بقيءٍ، فإِنْ عاد فهو القيء؛ ونصُّ الليث: فإذا غُلِبَ فهو قيءٌ، والجمع: أقلاسٌ؛ [انظر: «جمهرة العرب» للأزدي (٢/ ٨٥١) «الصِّحاح» للجوهري (٣/ ٩٦٥)، «النهاية» لابن الأثير (٤/ ١٠٠)، «مختار الصِّحاح» للرازي (٢٥٩)، «القاموس» للفيروزآبادي (٥٦٧)، «تاج العروس» للزَّبيدي (١٦/ ٣٩١)].

(٧) أخرجه أبو داود في «الصوم» بابُ الصائم يستقيءُ عامدًا (٢٣٨٠)، والترمذيُّ في «الصوم» بابُ ما جاء فيمَنِ استقاء عمدًا (٧٢٠)، وابنُ ماجه في «الصيام» بابُ ما جاء في الصائم يَقِيءُ (١٦٧٦)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٦٢٤٣).

(٨) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الصوم» باب الصائم إذا أكَلَ أو شَرِبَ ناسيًا (١٩٣٣)، ومسلمٌ في «الصيام» (١١٥٥)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٩) انظر: «مَعالِمَ السنن» للخطَّابي (٢/ ٧٧٧)، «الاستذكار» لابن عبد البرِّ (٣/ ٣٢٦)؛ وانظر ـ أيضًا ـ مقالتَيَّ: «التحرير والبيان في حكمِ مَنْ أفطر عمدًا في رمضان»، و«المحقَّق المدعوم في بيانِ حديثِ: «أَفطرَ الحاجمُ والمحجوم»».

(١٠) وانظر الفتوى رقم: (١٢٥٧) الموسومة ﺑ: «في بيان الإشكال في الُمعتبَر مِن علَّة الإفطارِ» على موقعي الرسميِّ.