في حكم إجارةِ عَسْبِ الفرسِ للحملِ | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 6 جمادى الأولى 1444 هـ الموافق لـ 30 نوفمبر 2022 م

الفتوى رقم: ١٣٠٩

الصنف: المعاملات المالية ـ الإجارة

في حكم إجارةِ عَسْبِ(١) الفرسِ للحملِ

السؤال:

‏يطلب أصحابُ مزرعةٍ لتربيةِ الخيولِ ـ مِمَّنْ أراد أَنْ يلقِّح فرَسَهُ الأنثى ‏بالوطءِ الطَّبيعيِّ بفُحولِ أَحصِنَتِهم ـ أَنْ يُحْضِرَها إلى تلك المَزرعةِ، حيث تمكثُ مِنْ أسبوعٍ إلى عشرةِ أيَّامٍ، ويشترطون على صاحبها ـ عند حصول الحمل ـ أَنْ يدفعَ ـ مُقابِلَ ذلك ـ مبلغًا ماليًّا يختلفُ باختلافِ سُلالةِ الخيلِ، فهل يجوز هذا المبلغُ المدفوع على وجه الإجارة؟ مع العلم أنَّ هذه الفرَسَ لا تُرَدُّ إلى صاحبها إلَّا بعد التَّأكُّد مِنْ تحقُّقِ حَملِها، وذلك بمُصادقةِ بيطريِّ المَزرعةِ، وأنَّ عَلَفَهَا يكونُ على حسابِ صاحبِ المَزرعةِ؛ وجزاكمُ الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فيمكن بيانُ أحكامِ جُزئيَّاتِ هذه المَسألةِ مِنَ الحيثيَّاتِ الآتيةِ:

ـ مِنْ حيثُ إعارةُ الفَحْلِ مِنَ الحيوان للضِّرابِ(٢) بالمجَّانِ إذا كان ممَّا يجوز اتِّخاذُه وتربِيَتُه، فلا أعلمُ فيه اختلافًا، إذ لا يزال النَّاسُ يَرتفِقون فيما بينهم مِنْ غيرِ حاجةٍ إلى بَذْلِ عِوَضٍ ماليٍّ، إذ هذه الأمورُ عاديَّةٌ تدخل في عمومِ مرافِقِ المُسلمين؛ قال ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ: «فمِنْ محاسِنِ الشَّريعةِ إيجابُ بذلِ هذا مجَّانًا، كما قال النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «إِنَّ مِنْ حَقِّهَا: إِطْرَاقَ فَحْلِهَا(٣) وَإِعَارَةَ دَلْوِهَا»(٤)، فهذه حقوقٌ يضرُّ بالنَّاس منعُها إلَّا بالمُعاوضةِ، فأَوجَبَتِ الشَّريعةُ بَذْلَها مجَّانًا»(٥).

وإِنْ أعطى صاحبُ الأنثى هديَّةً لصاحبِ الفَحْلِ، أو أَكرمَهُ مِنْ غيرِ إجارةٍ ولا اشتراطٍ في الباطن جازَ أخذُهُ لِمَا ثبَتَ مِنْ حديثِ أنسٍ رضي الله عنه: « أنَّ رَجُلًا مِنْ كِلَابٍ(٦) سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عَسْبِ الفَحْلِ؟ فَنَهَاهُ، فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نُطْرِقُ الفَحْلَ فَنُكْرَمُ»، فَرَخَّصَ لَهُ فِي الكَرَامَةِ»(٧).

ـ مِنْ حيثُ البيعُ: فلا يجوز بيعُ عَسْبِ الفَحْلِ وهو مذهبُ جُمهور الفقهاء، لعمومِ نهيِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم عن ذلك، فعن ابنِ عمر رضي الله عنهما قال: «نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عَسْبِ الفَحْلِ»(٨)، وعن جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ ضِرَابِ الْجَمَلِ، وَعَنْ بَيْعِ الْمَاءِ وَالْأَرْضِ لِتُحْرَثَ(٩)»(١٠)، وقد عُلِّل تحريمُهُ بأنَّه: «غيرُ مُتقوَّمٍ ولا مَعلومٍ ولا مقدورٍ على تسليمه» كما صَرَّح به ابنُ حجرٍ ـ رحمه الله ـ(١١)، وعَلَّل آخَرون ذلك بأنَّه مِنْ بيعِ المَعدومِ لأنَّه معدومٌ عند العقد، فضلًا عن اشتماله على الغَرَر والجَهَالة «لأنَّ الفَحْلَ قد يَضرب وقد لا يَضرب، وقد تَلْقَحُ(١٢) الأنثى وقد لا تَلْقَح»(١٣).

ـ مِنْ حيثُ الإجَارةُ: فبالعِلَل السالفِ ذِكرُها منَعَ جمهورُ الفقهاءِ إجارةَ الفحلِ للضِّراب أي: لا يجوز أخذُ الأجرة عليه، وهو مذهب الحَنَفيَّةِ(١٤) وابنِ حزمٍ(١٥)، وهو مذهب الشَّافعيَّة على الأصحِّ(١٦) والحنابلةِ في المَشهور عنهم(١٧)؛ خلافًا للمالكيَّةِ(١٨) وبعضِ الشَّافعيَّة والحنابلة الذين يَرَوْنَ جوازَ إجارةِ الفحل للضِّراب؛ لأنَّ الحديثَ محمولٌ ـ عندهم ـ على الكراهة التَّنزيهيَّةِ، وقياسًا على إجارة الظِّئر(١٩) للرَّضاع، وعلى إعارة الفحلِ للضِّراب، غير أنَّهم يشترطون أَنْ تكون المُدَّةُ معلومةً، أمَّا المُدَّةُ غيرُ المعلومةِ ـ عندهم ـ كالاستئجار إلى حينِ تحقُّقِ الحملِ ـ على نحوِ ما جاء في السؤال ـ  فهي غيرُ جائزةٍ للجهالةِ والغَرَرِ(٢٠).

والصَّحيحُ في ذلك: أَنَّ بيعَ عَسْبِ الفَحْلِ وكِراءَهُ لا يجوز، سواءٌ اشتُرِطَ حملُ الأُنثَى أو لم يُشتَرَط، أو صادَقَ عليه البيطريُّ أو لم يُصادِق، وسواءٌ كان عَلَفُها على حِسابِ صاحِبِ المَزرعَةِ أو لم يكن، لعموم النَّهيِ الواردِ في الأحاديثِ المُتقدِّمةِ، ولِمَا ذُكِر فيها مِنَ العِلَل منها: أَنَّ ماءَ الفحلِ غيرُ مُتقوَّمٍ وغيرُ معلومٍ، ولا يُمكِنُ لصاحبِه تسليمه؛ والنَّهيُ في الحديث محمولٌ على التَّحريم، أي: تحريمِ أخذِ العِوض أو الأجرةِ على ذلك، وهو مذهب الجمهور ـ كما سبَقَ تقريرُه ـ ولا يُحمَل على الكراهة التَّنزيهيَّةِ؛ لأنَّه يُخالِفُ الأصلَ في النَّهي، ولا تُوجَد قرينةٌ صارفَةٌ إلى الكراهةِ؛ وقياسُ جوازِ إجارة الفحل للضِّراب على إعارتِهِ لا يصلُحُ قرينةً لوجودِ الفرقِ بينهما، كما لا يصلُحُ قياسُهُ على إجارةِ الظِّئرِ للرَّضاع؛ لأنَّ «إجارة الظِّئرِ خُولِفَ فيه الأصلُ لِمَصلحةِ بقاء الآدميِّ، فلا يُقاسُ عليه ما ليس مِثلَه»(٢١)، جريًا على قاعدةِ: «مَا ثَبَتَ عَلَى خِلَافِ القِيَاسِ فَغَيْرُهُ عَلَيْهِ لَا يُقَاسُ».

علمًا أنَّه إِنْ لم يجد صاحبُ الخيلِ الإناثِ مَنْ يُعيرُهُ حِصانًا ذَكَرًا يُطرِقُهنَّ به فيَسَعُه أَنْ يَشترِيَ لهنَّ حِصانًا ذَكَرًا إِنْ أَمكنَه، فإِنْ تَعذَّر عليه فله أَنْ يشترِك مع غيرِه فيه، فإِنْ لم يجد سَبيلًا إلى ذلك فيجوز له ـ عند قيامِ حاجتِهِ إلى تحصيلِ مَنفعتها وتعذُّرِ تحقيقها ـ أَنْ يبذل فيها أُجرةً على الكِراء أو الإجارةِ، ويكونُ التَّحريمُ والإثمُ واقعًا على آخذِ الأُجرة دون المُعطي الَّذي بَذَلَ مالَهُ في تحصيلِ مُباحٍ له(٢٢)، وهذا هو مذهبُ عطاءٍ حيثُ قال: «لا بأسَ به إذا لم يجد مَنْ يُطرِقه»(٢٣).

أمَّا عَلَفُ الفرَسِ الأنثى ونفقتُها في مدَّةِ إقامتِها عند أصحاب الفحلِ فتجوزُ نفقتُها على صاحبِ المزرعةِ ـ كما جاء في السؤال ـ  إِنْ كان بالمجَّانِ، أو تَدخلُ في قيمة الكراءِ إِنْ بذَلَ له أجرةً عليها حالَ الحاجةِ والاضطرارِ.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٠٦ مِنْ ذي القَعدة ١٤٤٣ﻫ
المُوافـق ﻟ: ٠٥ جــــــــــــوان ٢٠٢٢م



(١) عَسْبُ الفحل: ماؤُه، فَرَسًا كان أو بعيرًا أو غيرَهما؛ وعَسْبُه ـ أيضًا ـ: ضِرابُه. يقال: عسَبَ الفحلُ الناقةَ يَعسِبُها عَسْبًا؛ ولم يُنْهَ عن واحدٍ منهما، وإنما أراد النهيَ عن الكراء الذي يُؤخَذُ عليه، فإنَّ إعارةَ الفحلِ مندوبٌ إليها؛ [«النهاية» لابن الأثير (٣/ ٢٣٤)].

والعَسْبُ: ضِرابُ الفحلِ أو ماؤه أو نسلُه والولدُ وإعطاءُ الكراءِ على الضِّراب؛ والفعلُ كضَرَبَ [«القاموس المحيط» للفيروزآبادي (١٤٧)].

(٢) يقال: ضرَبَ الجملُ الناقةَ يَضرِبها إذا نَزَا عليها؛ وأَضربَ فلانٌ ناقتَه: أي: أَنزَى الفحلَ عليها؛ [«النهاية» لابن الأثير (٣/ ٧٩)].

(٣) إطراقُ الفحل: إعارتُه للضِّراب؛ واستطراقُ الفحل: استعارتُه لذلك؛ [«النهاية» لابن الأثير (٣/ ١٢٢)].

(٤) انظر الحديثَ الذي أخرجه مسلمٌ في «الزكاة» (٩٨٨) بابُ إثمِ مانعِ الزَّكاة، مِنْ حديثِ جابرِ بنِ عبد الله رضي الله عنهما.

(٥) «زاد المَعاد» لابن القيِّم (٥/ ٧٩٦).

(٦) أي: مِنْ قبيلةِ كِلَابٍ، وهُم بنو كلابِ بنِ ربيعةَ بنِ عامر بنِ صعصعة بنِ معاويةَ بنِ بكر بنِ هَوازِنَ بنِ منصورِ بنِ عكرمةَ بنِ خَصَفةَ بنِ قيسِ عَيْلانَ بنِ مُضَرَ؛ [«اللباب» لابن الأثير (٣/ ١٢٣)].

(٧) أخرجه الترمذيُّ في «أبواب البيوع» (١٢٧٤) بابُ ما جاء في كراهِيَةِ عَسْبِ الفحل، والنسائيُّ في «البيوع» (٤٦٧٢) بابُ بيعِ ضِرَابِ الجمل. والحديثُ صحَّحه محقِّقو «مُسنَد أحمد» طبعة «مؤسَّسة الرِّسالة» (١٩/ ٤٦١)، والوادعيُّ في «الصحيح المُسنَد ممَّا ليس في الصَّحيحين» (١/ ٦٨)، والأرناؤوط في تحقيقه ﻟ «جامع الأصول» (١٠/ ٥٩٢). وانظر: «المغني» لابن قدامة (٤/ ٢٣٣).

(٨) أخرجه البخاريُّ في «الإجارة» (٢٢٨٤) بابُ عَسْبِ الفحل.

(٩) قال النوويُّ ـ رحمه الله ـ في «شرح مسلم» (١٠/ ٢٢٩): «(نهى عن بيع الأرض لِتُحرَث) معناه: نهى عن إجارتها للزرع؛ وقد سبقَتِ المسألةُ واضحةً في بابِ كراء الأرض؛ وذكَرْنا أنَّ الجمهورَ يجوِّزون إجارتَها بالدراهم والثياب ونحوِها، ويتأوَّلون النهيَ تأويلين: أحَدُهما: أنه نهيُ تنزيهٍ ليعتادوا إعارتَها وإرفاقَ بعضِهم بعضًا؛ والثاني: أنه محمولٌ على إجارتها على أَنْ يكون لِمَالكِها قطعةٌ معيَّنةٌ مِنَ الزرع؛ وحمَلَه القائلون بمنع المزارعة على إجارتها بجزءٍ ممَّا يخرج منها؛ واللهُ أعلمُ».

(١٠) أخرجه مسلمٌ في «المساقاة» (١٥٦٥) بابُ تحريمِ بيعِ فضل الماء الذي يكون بالفَلَاة ويُحتاجُ إليه لرعيِ الكلإ، وتحريمِ منعِ بذله، وتحريمِ بيعِ ضِرابِ الفحل.

(١١) «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ٤٦١).

(١٢) (لَقِحَتِ النَّاقةُ كسَمِعَ) تَلْقَحُ (لَقْحًا) ـ بفتحٍ فسُكُونٍ ـ (ولَقَحًا ـ محرَّكة ـ ولَقَاحًا) ـ بالفتح ـ إِذا حَمَلَتْ، فإذا استبان حَمْلُها قِيلَ: استَبانَ لَقَاحُها؛ وقال ابنُ الأعرابيّ: قَرَحَتْ تَقرَحُ قُرُوحًا، ولَقِحَتْ تَلْقَح لَقَاحًا ولَقْحًا: (قَبِلَت اللَّـِقَاحَ) بالكسر والفتحِ معًا؛ [«القاموس المحيط» للفيروزآبادي (٣٠٦)، «تاج العروس» للزَّبيدي (٧/ ٩١)].

(١٣) «شرح السُّنَّة» للبغوي (٨/ ١٣٨).

(١٤) انظر: «تبيين الحقائق» للزيلعي (٥/ ١٢٤).

(١٥) انظر: «المحلَّى» لابن حزم (٨/ ١٩٢).

(١٦) انظر: «مغني المحتاج» للشربيني (٢/ ٣٠).

(١٧) انظر: «المغني» لابن قدامة (٤/ ٢٣٢).

(١٨) انظر: «المنتقى» للباجي (٥/ ٢٢).

(١٩) الظِّئر: المُرضِعةُ غيرَ ولدِها؛ ويقع على الذَّكر والأنثى؛ ومنه حديثُ [أبي] سيفٍ القَيْنِ [أي: الحدَّاد] «ظِئرِ إبراهيمَ ابنِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم» هو زوجُ مُرضِعتِه. [«النهاية» لابن الأثير (٣/ ١٥٤)].

(٢٠) انظر: «الذخيرة» للقرافي (٥/ ٤١٣ ـ ٤١٤).

(٢١) «المغني» لابن قدامة (٤/ ٢٣٣)، وانظر: «زاد المَعاد» لابن القيِّم (٥/ ٧٩٥).

(٢٢) المصدران السَّابقان.

(٢٣) «معالم السُّنَن» للخطَّابي (٣/ ٧١١).