الجواب على الاعتراض على خبر الآحاد | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 6 جمادى الأولى 1444 هـ الموافق لـ 30 نوفمبر 2022 م

الفتوى رقم: ١٣١٠

الصنف: فتاوى الأصول والقواعد ـ أصول الفقه

الجواب عن الاعتراض على خبر الآحاد

نصُّ الشبهة:

قال مؤلِّفُ كتابِ «الإنارة» ـ ط.١ ـ (ص: ٢٠٧): «ما قرَّره المصنِّف مِنْ إفادةِ خبرِ الواحدِ للظنِّ هو مذهبُ جمهورِ العلماء»، ولي على هذا القولِ ملاحظاتٌ تتمثَّل فيما يلي:

أ ـ تقسيم السُّنَّة إلى ما يفيد العِلمَ وما يُفيدُ الظنَّ تقسيمٌ مُحدَثٌ مبنيٌّ على تقسيم السُّنَّة إلى متواترٍ وآحادٍ، وهو ما ابتدعَتْه المعتزلةُ والجهميَّةُ والمعطِّلةُ لإسقاطِ ما خالف عقولَهُم وأهواءَهم مِنَ السُّنَّة النبويَّة؛ وما بُنِيَ على باطلٍ فهو باطلٌ.

ب ـ معيارُ الظنِّ الذي يُحكَّمُ في أخبار الآحاد الصحيحة التي هي وحيٌ مِنَ الله تعالى معيارٌ عقليٌّ وضعيٌّ، فكيف يُحكَّمُ العقلُ على النقل.

ج ـ كونُ الدليل مِنَ الأمور الظَّنِّيَّة أو القطعيَّة أمرٌ نسبيٌّ يختلف باختلافِ مَدْرَكِ المستدِلِّ، وليس صفةً للدليل في نفسِه، والعُمدةُ في ذلك أهلُ الحديث لا غيرُهم، فما أفادهم العِلمَ فهو ما أفاد العِلمَ، وليس لغيرهم معهم كلامٌ ولا زِمامٌ.

د ـ القائلون بإفادةِ أخبار الآحادِ العِلمَ هم السلفُ وأهلُ الاختصاصِ مِنْ أئمَّةِ الحديث كمالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ والبخاريِّ ومسلمٍ وغيرِهم، ولم يختلف السلفُ مِنْ أئمَّةِ الحديث في ذلك، وهم في ذلك مُتَّبِعون لإجماع الصحابة رضوانُ اللهِ عليهم.

هـ ـ القائلون بإفادتِها الظنَّ هم مُتكلِّمُو الفِرَقِ وتَبِعَهم على ذلك مَنْ تَبِعهم مِنْ أهل الأصول والفقهِ الَّذِين تأثَّرُوا بمَسلَكِهم ونهجهم، فكيف يُجعَلون هم الجمهورَ؟! قال ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ: «فهذا الذي اعتمده نُفاةُ العِلمِ عن أخبارِ رسول الله خَرَقوا به إجماعَ الصحابةِ المعلومَ بالضرورة بإجماعِ التابعين وإجماعِ أئمَّةِ الإسلام، ووافقوا به المعتزِلةَ والجهميَّةَ والرافضةَ والخوارجَ الذين انتهكوا هذه الحُرمةَ، وتَبِعَهم بعضُ الأصوليِّين والفُقَهاء، وإلَّا فلا يُعرَف لهم سلفٌ مِنَ الأئمَّة بذلك، بل صرَّح الأئمَّةُ بخلافِ قولهم»(١).

والنسبةُ إلى جمهور الأصوليِّين غيرُ صحيحةٍ، وهذا ـ بلا شكٍّ ـ قصورٌ في نسبةِ قولِ إفادةِ خبرِ الآحادِ العِلمَ، فإنَّ فحولَ الأصوليِّين مِنْ أتباع المذاهب الأربعة يقولون بخلافِ ما تمَّ تقريرُه في أوَّلِ النقل.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فقول المعترض: «تقسيم السُّنَّة إلى ما يفيد العِلمَ وما يفيد الظنَّ تقسيمٌ مُحدَثٌ مبنيٌّ على تقسيم السُّنَّة إلى متواترٍ وآحادٍ، وهو ما ابتدعَتْه المعتزلةُ والجهميَّةُ والمعطِّلةُ لإسقاطِ ما خالف عقولَهُم وأهواءَهم مِنَ السُّنَّة النبويَّة؛ وما بُنِيَ على باطلٍ فهو باطلٌ».

فجوابه: أنَّه يُفرَّقُ في تقسيم السُّنَّةِ النَّبوية إلى قسمين ـ متواترٍ وآحادٍ ـ بين ما كان مُجرَّدَ اصطلاحٍ وتقسيمٍ جديدٍ يدلُّ على مَعانٍ صحيحةٍ في حدِّ ذاتها أو يقتضي فروقًا ثابتةً صحيحةً شرعًا: فما استوفى شروطَ المتواترِ وهو:

ـ ما رواه عددٌ كثيرٌ عن عددٍ كثيرٍ في كُلِّ طبقاتِ السَّندِ.

ـ تُحيلُ العادةُ تَواطُؤَ مِثلِهم على الكذبِ عن مثلِهم: والمعتبَرُ هو ما تُحيلُه العادةُ لا العقلُ؛ لأنَّ العقل يجيز أَنْ يتواطؤوا على الكذب؛ والعادةُ تُحيلُ تَواطُؤَهم على الكذب، إمَّا لِثِقَتِهم وأمانَتِهم، أو لتَباعُدِ أقطارِهم كما لو أنَّ عَشَرَةَ رجالٍ أَخبرَ كُلٌّ منهم أنه رأى الهلالَ وكُلُّ واحدٍ مِنْ بلدٍ، أو لكثرةِ عدَدِهم كما لو كانوا ألفَيْن مَثَلًا، فهنا لا يُنظَر في حالِ المُخبِرين؛ بخلافِ حديثِ الآحاد فيُدرَس إسنادُه.

ـ وأسندوه إلى شيءٍ محسوسٍ (أي: يُدرَكُ بالحسِّ، والحواسُّ خمسٌ) كالسَّمع مَثَلًا، واشترَاطُ الاستنادِ إلى الحسِّ احترازًا ممَّا يُدرَك بالتصوُّر والتفكير، كنحوِ ما تَواترَ عند النصارى مِنِ اعتقادِ ألوهيَّةِ المسيحِ وأنَّ اللهَ ثالثُ ثلاثةٍ، فإنه مُستنِدٌ إلى تصوُّرِهم الباطل، وكذلك ما يُثبِتُه الصوفيَّةُ بالأذواق والمواجيد والتشهِّي ولو أَثبتَهُ عددٌ كبيرٌ منهم لأنهم لا يُسنِدونه إلى الحِسِّ.

فما جمَعَ شروطَ المتواترِ فلا يفتقرُ في قبوله ـ بعد ثبوتِ تَواترِه ـ إلى النَّظر في حالِ الإسناد الَّذي هو موضوعُ علمِ مُصطلَحِ الحديثِ، فمِثلُه يفيدُ العِلمَ الضَّروريَّ اليقينيَّ لا الظَّني؛ ويبقى النَّظرُ في دلالتِه وإِحكامِه.

وما لم يَستوفِ شروطَ المتواترِ فهو آحادٌ يفتقر قبولُه إلى النظر في إسناده وطُرُقِه وشواهدِه وعِلَله، وهو موضوعُ علمِ الحديث.

فإِنْ كان اعتبارُ هذا التَّقسيمِ راجعًا إلى هذا الوجهِ المُصطلَحِ عليه السَّالفِ البيانِ فهو صحيحٌ ومقبولٌ؛ بل يُستحسَنُ القولُ به لاشتمالِه على الصِّحَّةِ ودلالتِه على الحقِّ كسائرِ الاصطلاحاتِ الشَّرعيَّةِ المُشتمِلةِ على ألفاظٍ وتقسيماتٍ للعلومِ الصَّحيحةِ، وهذا التقسيم ـ بهذا الاعتبار ـ هو المعنيُّ، وقد درَجَ على استعمالِه أهلُ العلم مِنْ أهل السُّنَّة وغيرِهم قديمًا وحديثًا، فهذا القسمُ مِنْ آثاره الصحيحة: أنه يجب قبولُه على مَنْ ثَبَت عنده تواتُرُه دون توقُّفٍ على النَّظر في الإسناد كما سلَفَ، ويجب به في حقِّه العِلمُ والقطعُ والعملُ إذا بقي مُحكَمًا غيرَ منسوخٍ وسَلِمَ مِنْ مُعارِضٍ راجحٍ.

أمَّا إذا رُتِّبَ على هذا التَّقسيمِ آثارٌ كاذبةٌ للحقِّ أو مُخالِفةٌ للشَّرعِ الصَّريحِ أو للعقلِ الصَّحيحِ أو مُعارِضةٌ للإجماعِ، كالتَّفريق بين التواتر والآحاد مِنْ جهة الاحتجاجِ في العقيدة والعملِ بحيثُ يُقبَلُ المتواترُ ويُعمَلُ به لإفادتهِ العِلمَ، دون الآحاد فلا يُحتجُّ به ولا يُعمَل لإفادته الظَّنَّ، أو كردِّ خبر الواحد في العقائد والأعمالِ بحُجَّةِ أنه ليس متواترًا، سواءٌ كان آحادًا أو في أدنى المتواتر المُختلَفِ في تَواتُرِه ولو اتُّفِقَ على ثبوته، أو كردِّ خبر الواحد في المسائل التي عمَّتْ بها البلوى، أو ردِّه في المسائل التي يكون مُخالِفًا فيها للقياس دون المتواتر، أو ردِّ ما تَضمَّن زيادةَ حكمٍ على ما في القرآن، أو دعوَى اختصاصِ جوازِ نسخِ المتواتر مِنَ الكتاب أو السُّنَّة بالمتواتر دون الآحاد، أو تقديمِ مدلولِ المتواتر على مدلولِ الآحاد بالترجيح مُطلَقًا مع إمكانِ الجمع بينهما بوجهٍ مِنْ وجوه الجمع، وغيرها؛ فالتقسيمُ ـ بهذا المعنى ـ فاسدٌ أو ضعيفٌ لا يُعوَّل عليه لمخالفته للإجماع والنصوصِ الدَّالَّةِ على حُجِّيَّةِ السُّنَّة ـ دون تفريقٍ بين آحادِها ومتواترِها ـ وأنها مِثلُ القرآن، ووجوبِ اتِّباعها والعملِ بها مِنْ غيرِ تفريقٍ بينهما، خاصَّةً أنَّ التمييزَ بين ما هو آحادٌ وما هو متواترٌ لا يحصل لأكثرِ الناس ولا العلماءِ، ومَنْ حصَلَ عندهم العلمُ بتواتُرِه لا يحصل ـ عادةً ـ التواترُ بإخبارهم عن كُلِّ متواترٍ، فاشتراطُ التواترِ في ذلك مآلُه إلى ردِّ بعض السُّنَّة الثابتة؛ قال الشافعيُّ ـ رحمه الله ـ: «لو جاز لأحَدٍ مِنَ الناس أَنْ يقول في علم الخاصَّة: أَجمعَ المسلمون قديمًا وحديثًا على تثبيتِ خبر الواحد والانتهاءِ إليه بأنه لم يُعلَم مِنْ فقهاء المسلمين أحَدٌ إلَّا وقد ثبَّته جاز لي، ولكِنْ أقول: لم أحفظ عن فقهاء المسلمين أنهم اختلفوا في تثبيتِ خبر الواحد بما وصفتُ مِنْ أنَّ ذلك موجودٌ على كُلِّهم»(٢)؛ وقال الخطيب البغداديُّ ـ رحمه الله ـ: «وعلى العمل بخبر الواحد كان كافَّةُ التابعين، ومَنْ بعدهم مِنَ الفقهاء الخالفين في سائرِ أمصار المسلمين إلى وقتِنا هذا، ولم يبلغنا عن أحَدٍ منهم إنكارٌ لذلك ولا اعتراضٌ عليه، فثبَتَ أنَّ مِنْ دِينِ جميعِهم وجوبَه، إذ لو كان فيهم مَنْ كان لا يرى العملَ به لَنُقِل إلينا الخبرُ عنه بمذهبه فيه»(٣)؛ وقال النوويُّ ـ رحمه الله ـ عن الصحيحين: «وأجمعَتِ الأمَّةُ على صِحَّةِ هذين الكتابين، ووجوبِ العمل بأحاديثهما»(٤)؛ وقال الألبانيُّ ـ رحمه الله ـ في «القاعدة الرابعة عشرة»: «وجوب العمل بالحديث الصحيح وإِنْ لم يعمل به أحَدٌ؛ قال الإمام الشافعيُّ رضي الله عنه في «رسالته» الشهيرة: «إنَّ عُمرَ بنَ الخطَّاب رضي الله عنه قضى في الإبهام بخمسَ عشرة؛ فلمَّا وجَدَ كتابَ آلِ عمرو بنِ حزمٍ وفيه أنَّ رسولَ الله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم قال: «وَفِي كُلِّ إِصْبَعٍ مِمَّا هُنَالِكَ عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ» صاروا إليه»، قال: «ولم يقبلوا كتابَ آلِ عمرو بنِ حزمٍ ـ واللهُ أعلمُ ـ حتَّى يَثبُت لهم أنه كتابُ رسولِ الله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم، وفي هذا الحديثِ دلالتان: إحداهما: قبولُ الخبر، والأخرى: قبولُ الخبر في الوقت الذي يَثبُت فيه وإِنْ لم يَمضِ عملُ أحَدٍ مِنَ الأئمَّةِ بمثل الخبر الذي قَبِلوا، ودلالةٌ على أنه لو مضى ـ أيضًا ـ عملٌ مِنْ أحَدٍ مِنَ الأئمَّةِ ثمَّ وَجَد عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم خبرًا يخالف عمَلَه لَتَرَك عمَلَه لخبرِ رسول الله، ودلالةٌ على أنَّ حديثَ رسولِ الله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم يَثبُت بنفسه لا بعملِ غيرِه بعدَه»»(٥).

ولأنَّ القول بصِحَّةِ هذا التقسيمِ ـ بهذا الاعتبارِ ـ يُفْضي إلى نتائجَ خطيرةٍ، بعيدةٍ عن الدِّين برَدِّ شِقصٍ كبيرٍ مِنَ الأحاديث النبويَّة الصحيحة بدعوَى أنها آحادٌ، وتعطيلِ العمل بها أو ردِّها مِنْ غيرِ دليلٍ شرعيٍّ أو مُعارِضٍ مُعتبَرٍ.

فلا شكَّ أنَّ مَنْ أَنكرَ وجوبَ العملِ بخبر الآحاد هُم أهلُ البدعةِ مِنَ الروافض والمعتزلة والجهميَّة كابنِ أبي دُؤَاد، وإبراهيمَ بنِ إسماعيلَ ابنِ عُلَيَّة وغيرِهما، وقد ردَّ أهلُ العلمِ على شُبُهاتهم في ذلك(٦)؛ غير أنَّ تقريرَ المُعترضِ هذا يبقى خارجًا عن المسألةِ المطروحة لاتِّفاق الأئمَّةِ والمذاهب السُّنِّيَّة ـ كما تقدَّم ـ على وجوب العمل وثبوتِ العقائد بخبر الآحاد سواءٌ أفاد العِلمَ (اليقينَ) أو الظنَّ (أي: غَلَبَتَه)، وهو المطلوبُ الذي يَهُمُّ الفقيهَ والأصوليَّ ومصنِّفي العقائدِ مِنْ أهل السُّنَّة.

وأمَّا قوله: «معيار الظنِّ الذي يُحكَّمُ في أخبار الآحاد الصحيحة التي هي وحيٌ مِنَ الله تعالى معيارٌ عقليٌّ وضعيٌّ، فكيف يُحكَّمُ العقلُ على النقل.

وكونُ الدليل مِنَ الأمور الظنِّيَّة أو القطعيَّة أمرٌ نسبيٌّ يختلف باختلافِ مَدرَكِ المُستدِلِّ، وليس صفةً للدليل في نفسه، والعمدةُ في ذلك أهلُ الحديث لا غيرُهم؛ فما أفادهم العِلمَ فهو ما أفاد العِلمَ، وليس لِغيرِهم معهم كلامٌ ولا زِمامٌ».

فجوابه:

أنَّ الظنون مُتفاوِتةُ المراتب، وقد يكون بعضُ الظنِّ أقوى مِنْ بعضٍ، فغَلَبةُ الظنِّ أو القطعُ إنما حصَلَ بالدلائل والأمارات التي تُوجِبُ وجودَ أحَدِهما في ذهن العاقل، علمًا أنَّ انضمامَ بعضِها إلى بعضٍ يزيد في غَلَبةِ الظنِّ وقد تصير قطعًا، وذلك يختلف مِنْ شخصٍ إلى شخصٍ؛ ولذلك كان القطعُ والظنُّ بحسَبِ الدلائل التي قامت عنده وحالةِ النفس وقُدرَتِها على الاستدلال؛ قال ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ: «فكونُ المسألةِ قطعيَّةً أو ظنِّيَّةً هو أمرٌ إضافيٌّ بحَسَبِ حالِ المُعتقِدِين، ليس هو وصفًا للقول في نَفْسِه؛ فإنَّ الإنسانَ قد يقطعُ بأشياءَ عَلِمَها بالضَّرورة أو بالنقلِ المعلومِ صِدْقُه عنده، وغيرُه لا يعرفُ ذلك لا قَطْعًا ولا ظَنًّا؛ وقد يكونُ الإنسانُ ذكيًّا قويَّ الذِّهنِ سريعَ الإدراكِ فيعرفُ مِنَ الحقِّ ويقطعُ به ما لا يتصوَّرُه غيرُه ولا يعرفُه لا عِلْمًا ولا ظَنًّا؛ فالقَطْعُ والظَّنُّ يكونُ بحَسَبِ ما وصَلَ إلى الإنسانِ مِنَ الأدلَّةِ وبِحَسَبِ قُدْرَتِه على الاستدلالِ؛ والنَّاسُ يختلفون في هذا وهذا؛ فكونُ المسألةِ قَطْعيَّةً أو ظَنِّيَّةً ليس هو صِفَةً مُلازِمةً للقولِ المُتنازَعِ فيه حتَّى يُقالَ: كُلُّ مَنْ خالَفَهُ قَدْ خالَفَ القَطْعِيَّ؛ بل هو صِفَةٌ لِحالِ النَّاظرِ المُستدِلِّ المُعتقِد؛ وهذا مِمَّا يَختلفُ فيه النَّاسُ»(٧).

وهذا الاعتراضُ إنَّما مَحَلُّه في خبر الواحد إذا احتفَّتْ به قرائنُ تؤيِّدُه وتدلُّ على صِدقِه فإنه يُفيدُ العِلمَ، وهذا خارجٌ ـ بلا شكٍّ ـ عن محلِّ النزاع عند أهل السُّنَّة، لأنَّ النزاع بينهم في خبر الواحد المجرَّد عن القرائن التي تُقوِّي غلبةَ الظنِّ.

وأمَّا قوله: «القائلون بإفادتها الظنَّ هم مُتكلِّمو الفِرَق، وتَبِعهم على ذلك مَنْ تَبِعهم مِنْ أهل الأصول والفقه الذين تأثَّروا بمَسلَكِهم ونهجِهم، فكيف يُجعَلون هم الجمهورَ؟! قال ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ: «فهذا الذي اعتمده نُفاةُ العِلمِ عن أخبارِ رسول الله خَرَقوا به إجماعَ الصحابةِ المعلومَ بالضرورة بإجماعِ التابعين وإجماعِ أئمَّةِ الإسلام، ووافقوا به المعتزِلةَ والجهميَّةَ والرافضةَ والخوارجَ الذين انتهكوا هذه الحُرمةَ، وتَبِعهم بعضُ الأصوليِّين والفقهاء، وإلَّا فلا يُعرَف لهم سلفٌ مِنَ الأئمَّة بذلك، بل صرَّح الأئمَّةُ بخلافِ قولهم»(٨)».

فجوابه: أنَّ ما ذهَبَ إليه المتكلِّمون: أنَّ أدلَّةَ الكتابِ والسُّنَّة ـ مُتواتِرَها وآحادَها ـ ما هي إلَّا أدلَّةٌ لفظيَّةٌ لا تفيد اليقينَ ولا يحصل بها العلمُ، هذا مِنْ جهةِ دلالتها، وغاب عنهم أنها وإِنْ كانت نصوصًا شرعيَّةً مِنْ جهةِ الخبر فقَدْ تضمَّنَتْ أدلَّةً عقليَّةً هي أحقُّ مِنْ أدلَّتِهم وأحسنُ تفسيرًا؛ وأمَّا أحاديثُ الآحادِ فوجدوا سبيلًا آخَرَ إلى القدح فيها مِنْ جهةِ ثُبوتها، مِنْ جهةِ أنها تُفيدُ غلبةَ الظنِّ بثبوتها عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم مع احتمالِ خطإِ الرُّواة فيها، وزعموا ـ بالمُقابِل ـ أنَّ إِثباتَ وجودِ الصانع والنبوَّةِ والمَعادِ متوقِّفٌ على طُرُقِهم العقليَّة دون غيرها مع كونِ كثيرٍ منها في غايةِ الفساد؛ ولا يخفى أنَّ القول بأنَّ «نصوصَ الكتابِ والسُّنَّةِ أدلَّةٌ لفظيَّةٌ لا تحصِّل اليقينَ»، وأنَّ «أخبارَ رسولِ الله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم الصحيحةَ التي رواها العدولُ وتَلَقَّتْها الأمَّةُ بالقبول لا تُفيدُ العِلمَ، وغايتُها أَنْ تُفيدَ الظنَّ» كلاهما هو قولٌ فاسدٌ كاسدٌ عاطلٌ باطلٌ، وقد عدَّهما ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ طاغوتًا مِنَ الطواغيت «التي هدَمَ بها أصحابُ التأويل الباطلِ مَعاقِلَ الدِّين، وانتهكوا بها حُرمةَ القرآن، ومَحَوْا بها رسومَ الإيمان»(٩)؛ وذكرَ ابنُ تيميَّة ـ رحمه الله ـ هذا المعنى مفصَّلًا أنقله بِطُوله لأَهمِّيَّتِه حيث قال: «إنَّ كثيرًا ممَّا دلَّ عليه السمعُ يُعلَم بالعقل ـ أيضًا ـ؛ والقرآنُ يبيِّن ما يَستدِلُّ به العقلُ ويُرشِدُ إليه ويُنبِّه عليه كما ذكَرَ اللهُ ذلك في غيرِ موضعٍ؛ فإنه سبحانه وتعالى بيَّن ـ مِنَ الآيات الدَّالَّةِ عليه وعلى وحدانيَّتِه وقُدرَتِه وعِلمِه وغيرِ ذلك ـ ما أَرشدَ العبادَ إليه ودلَّهُم عليه؛ كما بيَّن ـ أيضًا ـ ما دلَّ على نبوَّةِ أنبيائه؛ وما دلَّ على المَعادِ وإمكانِه؛ فهذه المطالبُ هي شرعيَّةٌ مِنْ جهتين: مِنْ جهةِ أنَّ الشارعَ أَخبرَ بها، ومِنْ جهةِ أنه بيَّن الأدلَّةَ العقليَّةَ التي يُستدَلُّ بها عليها؛ والأمثالُ المضروبةُ في القرآن هي أَقيِسةٌ عقليَّةٌ، وقد بُسِط في غيرِ هذا الموضع؛ وهي ـ أيضًا ـ عقليَّةٌ مِنْ جهةِ أنها تُعلَم بالعقل ـ أيضًا ـ؛ وكثيرٌ مِنْ أهلِ الكلام يُسمِّي هذه: الأصولَ العقليَّة لاعتقادِه أنها لا تُعلَم إلَّا بالعقل فقط؛ فإنَّ السمع هو مجرَّدُ إخبارِ الصادق، وخبرُ الصادق الذي هو النبيُّ لا يُعلَم صِدقُه إلَّا بعد العلم بهذه الأصول بالعقل؛ ثمَّ إنهم قد يتنازعون في الأصول التي تتوقَّف إثباتُ النبوَّةِ عليها: فطائفةٌ تزعم أنَّ تحسينَ العقلِ وتقبيحَه داخلٌ في هذه الأصول، وأنه لا يمكن إثباتُ النبوَّةِ بدونِ ذلك، ويجعلون التكذيبَ بالقَدَرِ ممَّا ينفيه العقلُ، وطائفةٌ تزعم أنَّ حدوثَ العالَمِ مِنْ هذه الأصول، وأنَّ العلم بالصانع لا يمكن إلَّا بإثباتِ حدوثه، وإثباتُ حدوثه لا يُمكِن إلَّا بحدوثِ الأجسام، وحدوثُها يُعلَم إمَّا بحدوث الصفات وإمَّا بحدوث الأفعال القائمةِ بها، فيجعلون نفيَ أفعالِ الربِّ ونفيَ صِفاتِه مِنَ الأصول التي لا يمكن إثباتُ النبوَّة إلَّا بها؛ ثمَّ هؤلاء لا يقبلون الاستدلالَ بالكتاب والسُّنَّة على نقيضِ قولهم لِظنِّهم أنَّ العقل عارَضَ السمعَ وهو أصلُه، فيجب تقديمُه عليه، والسمعُ إمَّا أَنْ يُؤوَّل وإمَّا أَنْ يُفوَّض، وهم ـ أيضًا ـ عند التحقيق لا يقبلون الاستدلالَ بالكتاب والسُّنَّةِ على وَفْقِ قولهم لِمَا تقدَّم؛ وهؤلاء يَضِلُّون مِنْ وجوهٍ: منها: ظنُّهم أنَّ السمع بطريقِ الخبر تارةً وليس الأمرُ كذلك، بل القرآن بيَّن مِنَ الدلائل العقليَّة التي تُعلَم بها المطالبُ الدِّينيَّة ما لا يُوجَدُ مِثلُه في كلامِ أئمَّةِ النظر، فتكون هذه المطالبُ: شرعيَّةً عقليَّةً؛ ومنها: ظنُّهم أنَّ الرسول لا يُعلَم صِدقُه إلَّا بالطريق المعيَّنة التي سَلَكوها، وهم مُخطِئون قطعًا في انحصارِ طريقِ تصديقه فيما ذكروه، فإنَّ طُرُقَ العلمِ بصِدق الرسول كثيرةٌ كما قد بُسِط في غيرِ هذا الموضع؛ ومنها: ظنُّهم أنَّ تلك الطريقَ التي سلكوها صحيحةٌ، وقد تكون باطلةً؛ ومنها: ظنُّهم أنَّ ما عارضوا به السمعَ معلومٌ بالعقل، ويكونون غالطين في ذلك؛ فإنه إذا وُزِن بالميزان الصحيح وُجِد ما يُعارِضُ الكتابَ والسُّنَّةَ مِنَ المجهولات لا مِنَ المعقولات، وقد بُسِط الكلامُ على هذا في غيرِ هذا الموضع؛ والمقصودُ هنا: أنَّ مِنْ صفات الله تعالى ما قد يُعلَم بالعقل: كما يُعلَم أنه عالمٌ وأنه قادرٌ وأنه حيٌّ كما أَرشدَ إلى ذلك قولُه: ﴿أَلَا يَعۡلَمُ مَنۡ خَلَقَ[المُلْك: ١٤]، وقد اتَّفق النُّظَّارُ مِنْ مُثبِتةِ الصِّفات على أنه يُعلَم بالعقل عند المحقِّقين: أنه حيٌّ عليمٌ قديرٌ مُريدٌ، وكذلك السمع والبصر والكلام يثبت بالعقل عند المحقِّقين، بل وكذلك الحبُّ والرِّضا والغضب يمكن إثباتُه بالعقل، وكذلك عُلُوُّه على المخلوقاتِ ومُبايَنتُه لها ممَّا يُعلَم بالعقل كما أَثبتَتْه بذلك الأئمَّةُ مثل أحمدَ بنِ حنبلٍ وغيرِه، ومثل عبد العالي [وفي «التدمريَّة»: عبد العزيز، وهو الصحيح] المكِّيِّ وعبدِ الله بنِ سعيد بنِ كُلَّابٍ، بل وكذلك إمكانُ الرؤية يَثبتُ بالعقل، لكنَّ منهم مَنْ أَثبتَها بأنَّ كُلَّ موجودٍ تَصِحُّ رؤيتُه، ومنهم مَنْ أَثبتَها بأنَّ كُلَّ قائمٍ بنفسه يمكن رؤيتُه، وهذه الطريقُ أصحُّ مِنْ تلك، وقد يمكن إثباتُ الرؤية بغيرِ هذين الطريقين بتقسيمٍ دائرٍ بين النفي والإثبات كما يقال: إنَّ الرؤيَةَ لا تتوقَّف إلَّا على أمورٍ وجوديَّةٍ، فإنَّ ما لا يتوقَّف إلَّا على أمورٍ وجوديَّةٍ يكون الموجودُ الواجبُ القديمُ أحقَّ به مِنَ الممكِن المُحدَث؛ والكلامُ على هذه الأمورِ مبسوطٌ في غيرِ هذا الموضع، والمقصودُ هنا: أنَّ مِنَ الطُّرُق التي يسلكها الأئمَّةُ ومَنِ اتَّبَعهم مِنْ نُظَّارِ السُّنَّة في هذا الباب: أنه لو لم يكن موصوفًا بإحدى الصِّفَتَيْن المُتقابِلتَيْن: لَلَزِم اتِّصافُه بالأخرى: فلو لم يُوصَفْ بالحياة لَوُصِف بالموت، ولو لم يُوصَفْ بالقدرة لَوُصِف بالعجز، ولو لم يُوصَفْ بالسمع والبصر والكلام لَوُصِف بالصَّمم والخرس والبكم؛ وطردُ ذلك: أنه لو لم يُوصَفْ بأنه مُبايِنٌ للعالَمِ لكان داخلًا فيه، فسلبُ إحدى الصِّفَتين المتقابلتَيْن عنه يستلزم ثبوتَ الأخرى، وتلك صفةُ نقصٍ يُنزَّه عنها الكاملُ مِنَ المخلوقات، فتنزيهُ الخالقِ عنها أَوْلى؛ وهذه الطريقُ غيرُ قولِنا: إنَّ هذه صفاتُ كمالٍ يتَّصِف بها المخلوقُ، فالخالقُ أَوْلى؛ فإنَّ طريقَ إثباتِ صفاتِ الكمال بأنفُسِها مُغايِرٌ لطريقِ إثباتها بنفيِ ما يناقضُها»(١٠).

علمًا أنِّي لم أذكر هذا القولَ الباطل الذي نقَلَه المُعترِضُ عن المتكلِّمين ـ ألبتَّةَ ـ في كتابي لِتَهافُتِه ولخروجِه عن موضوع الكتاب، فإنهم نفَوُا العِلمَ عن أحاديثِ الآحادِ جملةً ـ بما في ذلك ما احتفَّتْ به قرائنُ أو تَلَقَّتْه الأمَّةُ بالقبول ـ وفي الصِّفات الإلهيَّةِ والعقائد خصوصًا، وإنَّما الذي أَثبتُّه فيه هو التفريقُ بين خبر الواحد الذي يفيد الظنَّ إذا تجرَّد عن القرائن مِنْ جهةٍ، لأنَّه لو كان يفيد العِلمَ بمجرَّده لَحصَلَ ذلك بخبر الأنبياء بمجرَّدِ دعواهم النبوَّةَ والإرسالَ مِنْ دونِ إقامةِ الآيات الدالَّةِ على صِدقهم في دعوى النبوَّة ليتميَّزَ الأنبياءُ عن المتنبِّئين، ولِتَتميَّز مُعجِزاتُ الأنبياءِ عن كراماتِ الأولياء ومخاريقِ السَّحَرة والدجَّالين والمتنبِّئين الكذَّابين: ككونه ـ قَبْل دعواه النبوَّةَ ـ معروفًا بالصِّدق والأمانة، وبُعدِه عن الإفك في القول والإثمِ في الفعل، وعدمِ الكذب على الناس فكيف يكذب على الله ويدَّعِي النبوَّةَ مَنْ هذا وصفُه دون أَنْ يكون كذلك؟! ولأنَّه لو كان خبرُ الواحدِ مفيدًا للعلم بمجرَّده لَوَجَب على القاضي أَنْ يُصدِّق المدَّعِيَ العدلَ مِنْ غيرِ بيِّنةٍ ويحكمَ له بمجرَّدِ دعواه؛ لأنَّ العِلمَ يحصل بمجرَّد قوله؛ وقد حكَمَ شُرَيْحٌ بالدِّرع لليهوديِّ لأنها كانت في يده ولم يحكم بها لعليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه في دعواه أنها له لأنه ردَّ شهادةَ الحسنِ رضي الله عنه له لأنه ابنُه، فلم تَبْقَ له بيِّنةٌ إلَّا شاهدٌ واحدٌ هو مولاه قَنْبَرٌ، فقَصَّرَتْ بيِّنتُه عن نِصابِها، مع أنَّ عليًّا والحسنَ رضي الله عنهما غيرُ مُتَّهَمَيْن بكذبٍ ولا غيرِه(١١)؛ وإذا ثبَتَ أنَّه لا يُصدِّقه أو لا يحكم له إلَّا ببيِّنةٍ دلَّ ذلك على أنَّ خبر الواحد بمجرَّده لا يكفي في إفادة العلم؛ ومِنَ الأدلَّة العقليَّة ما ذكَرَه المصنِّف الباجيُّ ـ رحمه الله ـ: مِنْ أنَّ المُخبِر ـ وإِنْ كان ثقةً ـ فإنه يجوز عليه الغلطُ والسهو كالشاهد، وبيَّن أنَّ خبر الواحد يُفيدُ العِلمَ ـ مِنْ جهةٍ أخرى ـ إذا احتفَّتْ به قرائنُ تُؤيِّده كأَنْ تتلقَّاه الأُمَّةُ بالقَبول، أو لا يُنكِرَه أحَدٌ ممَّنْ يُعتَدُّ بقوله، أو يُنقَلَ الخبرُ مِنْ طُرُقٍ متساويةٍ لا تختلف، أو يَروِيَ خبرَ الواحد راوٍ متَّصِفٌ بالعدالة والثِّقة والإتقان، فإِنْ توفَّرَتْ إحدى هذه القرائنِ في خبر الواحد أفاد العِلمَ بإجماعٍ؛ قال ابنُ تيميَّة ـ رحمه الله ـ: «وخبرُ الواحِدِ المُتَلَقَّى بالقَبولِ يُوجِبُ العِلْمَ عند جُمْهُورِ العُلَماءِ مِنْ أصحابِ أبي حنيفةَ ومالكٍ والشَّافعيِّ وأحمدَ، وهو قولُ أكثرِ أصحابِ الأشعرِيِّ كالإسفرايينيِّ وابنِ فُورَك؛ فإنَّه ـ وإِنْ كانَ فِي نَفْسِهِ لا يُفِيدُ إلَّا الظَّنَّ ـ لَكِنْ لمَّا اقترن به إجماعُ أهلِ العِلمِ بالحديثِ على تَلَقِّيهِ بالتَّصديقِ كان بمنزلةِ إجماعِ أهلِ العِلمِ بالفقه على حُكْمٍ مُستَنِدين في ذلك إلى ظاهرٍ أو قياسٍ أو خبرِ واحدٍ؛ فإنَّ ذلك الحُكْمَ يَصيرُ قَطْعِيًّا عند الجمهورِ وإِنْ كان بِدونِ الإجماعِ ليس بِقَطْعِيٍّ؛ لأنَّ الإجماعَ معصومٌ؛ فأهلُ العِلْمِ بالأحكامِ الشَّرعيَّةِ لا يُجمِعونَ على تحليلِ حرامٍ ولا تحريمِ حَلالٍ، كذلك أهلُ العِلْمِ بالحديث لا يُجمِعون على التَّصديقِ بكَذِبٍ ولا التَّكذيبِ بِصِدْقٍ؛ وتارَةً يكونُ عِلْمُ أحَدِهِمْ لِقَرائِنَ تَحْتَفُّ بالأخبارِ تُوجِبُ لَهُمُ العِلْمَ، ومَنْ عَلِمَ ما عَلِمُوهُ حَصَلَ له مِنَ العِلْمِ ما حَصَلَ لهم»(١٢)؛ وهذا التفصيلُ ذهَبَ إليه الشافعيُّ والخطيب البغداديُّ وابنُ قدامة وابنُ تيميَّة وابنُ القيِّمِ والشنقيطيُّ وغيرهم رحمهم الله(١٣).

غير أنِّي قد بيَّنتُ في التَّحقيق والشرح أنَّ خبر الواحد إذا احتفَّ بقرائنَ مسألةٌ خارجةٌ عن محلِّ النِّزاع؛ لأنَّ النِّزاع فيها مع أهل الأهواء وهو غيرُ مُعتبَرٍ، ولأنَّ النِّزاع ـ في الأصل ـ إنما هو في خبر الواحد المجرَّد عن القرائن، وبناءً عليه فمذهب الجمهور فيها أقوى في الاعتبار والنظر.

علمًا أنَّ الخلاف بين علماءِ أهلِ السُّنَّةِ في هذه المسألةِ لفظيٌّ ـ كما تقدَّم ـ لاتِّفاقهم على وجوب العمل بخبر الواحد مِنْ حيث التطبيقُ الفرعيُّ سواءٌ أفاد العِلمَ أو الظنَّ، ولأنَّ العقائد تَثبُتُ ـ أيضًا ـ بغلبة الظنِّ، بل إنَّ صنيعَ السلفِ كان تَلَقِّيَ أحاديثِ الصفات دون توقُّفٍ، بخلافِ ما قد يفعله بعضُهم في أحاديث الأحكام ـ على ندرةٍ ـ مِنَ المطالبة بمَنْ يَشهَدُ له ويُصدِّقُه ولو كان الراوي غيرَ مُتَّهَمٍ عند وجودِ ما يقتضيه؛ أمَّا مِنْ حيث الترجيح بالسند فقَدْ يكون الخلافُ معنويًّا؛ لأنَّ الخبرَ المُفيدَ للعلم يُرجَّح على الخبر المُفيد للظنِّ.

وما أَوردَه المعترضُ مِنْ كلامِ ابنِ القيِّم ـ رحمه الله ـ للاحتجاج والاعتراض فإنما ذكَرَه ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ في مَعرِضِ الردِّ على نُفَاةِ العلم عن أخبار الآحاد مُطلَقًا سواءٌ التي احتُفَّتْ بالقرائن أو كانت مجرَّدةً عنها، بل ـ عندهم ـ أنَّ نصوص الكتاب والسُّنَّة ما هي إلَّا أدلَّةٌ لفظيَّةٌ لا يحصل بها اليقينُ، ولا تُفيد العِلمَ ـ كما تقدَّم ـ فهذا كُلُّه خارجٌ عن الموضوع المبحوثِ فيه، وهو راجعٌ إلى اختلالٍ حصَلَ في ذهنِ المعترض: إمَّا لجهلِه بالقضايا المبحوثِ فيها وأقسامِها وضوابطها، لأنِّي لم أَتعرَّض لمسألةِ الآحاد مِنْ علمِ الكلام لا في «الإنارة» ولا في غيرها، اللهم إلَّا في بعض الفتاوى المتعلِّقة بالعقيدة أو المنهجِ مع خُلُوِّها مِنْ مناقشةِ جزئيَّةِ إفادَتِها العِلمَ أو الظنَّ(١٤)، وإمَّا لاستغفال القارئ والتغرير به، لأنَّ المعترض إنما أَقحمَ زيفَه عن علمٍ، ووضَعَ الأشياءَ في غيرِ مواضعها لِيُثبِتَ ـ زعمًا منه ـ تهمةَ انتهاجي في التأليف طُرُقَ المتكلِّمين ومناهجَهم الباطلةَ على وجه المغالطة والمخادعة، ولا شكَّ أنَّ هذا الزيفَ المصطَنعَ يكشفه أيُّ قارئٍ حصيفٍ أو أدنى طالبِ علمٍ ممكَّنٍ في مادَّة الأصول يمكن له الرجوعُ إلى سياقِ كلامِ ابنِ القيِّم ـ رحمه الله ـ الذي استلَّه المعترضُ مِنْ فصلٍ عقَدَه ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ في التفصيلِ في خبر الواحد وأنه ليس سواءً، وأوَّلُ الفصل ينقض كلامَ المعترض ويردُّ على بعضِ شُبَهِه(١٥).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٠٢ صفر ١٤٤٤هـ
المُوافق ﻟ: ٢٩ أوت ٢٠٢٢م

 



(١) «الصواعق المُرسَلة» (٥٥٣) ـ باختصار ابنِ الموصلي ـ.

(٢) «الرسالة» للشافعي (٤٥٧ ـ ٤٥٨).

(٣) «الكفاية» للخطيب البغدادي (٤٨).

(٤) «تهذيب الأسماء واللُّغات» للنووي (١/ ٧٤).

(٥) «الرسالة» للشافعي (٤٢٢)، «تمام المِنَّة» للألباني (٤٠).

(٦) انظر: «الرسالة» للشافعي (٤٥٧ وما بعدها)، «روضة الناظر» لابن قدامة (١/ ٢٦٢)، «المسوَّدة» لآل تيمية (٢٤٠)، «الصواعق المُرسَلة» لابن القيِّم (٤٥٧) ـ باختصار ابنِ الموصلي ـ، «مذكِّرة أصول الفقه» للشيخ الشنقيطي (١٠٤ ـ ١٠٥).

(٧) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٩/ ٢١١).

(٨) «الصواعق المُرسَلة» (٥٥٣) ـ باختصار ابنِ الموصلي ـ.

(٩) «الصواعق المُرسَلة» لابن القيِّم (٢/ ٦٣٢).

(١٠) «مجموع الفتاوى» (٣/ ٨٨) و«التدمرية» (١٤٦) كلاهما لابن تيمية.

(١١) «حلية الأولياء» لأبي نعيم (٤/ ١٣٩ ـ ١٤٠)، وفيه أنَّ شُرَيْحًا قال له: «صَدَقْتَ ـ وَاللهِ ـ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إِنَّهَا لَدِرْعُكَ، وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ».

(١٢) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٨/ ٤١)، وانظر ـ أيضًا ـ: (١٣/ ٣٥١).

(١٣) انظر: «الرسالة» للشافعي (٤٦١، ٥٩٩)، «الفقيه والمتفقِّه» للخطيب البغدادي (١/ ٩٦)، «روضة الناظر» لابن قدامة (١/ ٢٦٠)، «مذكِّرة الشنقيطي» (١٠٤).

(١٤) انظر: الفتاوى الآتية على الموقع الرسميِّ:

ـ رقم: (٧١٤) الموسومة ﺑ «في ثبوت العدالة والتزكية بقول الواحد».

ـ رقم: (٧٥٤) الموسومة ﺑ «في الاحتجاج بخبر الواحد في القطعيَّات».

ـ رقم: (٩٤٣) الموسومة ﺑ «في حجِّيَّة خبر الواحد في الأحكام والعقائد».

(١٥) انظر: «الصواعق المُرسَلة» لابن القيِّم (٥٥١ ـ ٥٥٧) ـ باختصار الموصلي ـ [بتصرُّف] وانظر ما بعدها.