الجواب على محرِّفِ عبارة «مُخالَفة صريحة لجوهر التَّوحيد» | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 6 جمادى الأولى 1444 هـ الموافق لـ 30 نوفمبر 2022 م

نَقَل بعضُ الدُّعَاةِ ـ هداهم الله ـ عنكم مِنْ مَقالِكم: «التنويه والإشادة بمَقامِ إفراد الله في الحكم والتشريع والعبادة» أنَّكم قُلتم: «إنَّ توحيدَ الحاكميَّةِ هو جوهرُ التَّوحيدِ»...  للمزيد

الفتوى رقم: ١٣١١

الصنف: فتاوى منهجية

الجواب على محرِّفِ عبارة «مُخالَفة صريحة لجوهر التَّوحيد»

السؤال:

نَقَل بعضُ الدُّعَاةِ ـ هداهم الله ـ عنكم مِنْ مَقالِكم: «التنويه والإشادة بمَقامِ إفراد الله في الحكم والتشريع والعبادة» أنَّكم قُلتم: «إنَّ توحيدَ الحاكميَّةِ هو جوهرُ التَّوحيدِ»؛ وبنى صاحبُه على هذا النَّقلِ جُملةً مِنَ الطُّعوناتِ السَّاقطةِ والغادرةِ الَّتي رماكم بها، لا تعتمدُ ـ في أساسها ـ لا على التَّحقيقِ العِلميِّ الرَّصينِ؛ ولا على الأدب الحسنِ الَّذي يدعو إليه الإسلامُ.

فالمرجوُّ منكم ـ شيخَنا ـ أَنْ تُبيِّنوا لنا صِحَّةَ هذا النَّقل، ثمَّ ـ إذا سمحتم ـ أَنْ توضِّحوا لنا ـ أيضًا ـ على أيِّ وجهٍ يقعُ النَّكيرُ في هذه المسألة. جزاكم الله كُلَّ خيرٍ.

الجواب

الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاةُ والسَّلام على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فإنَّ العبارةَ الواردةَ في مقالي: «التَّنويه والإشادةُ بمَقام إفراد الله في الحكم والتَّشريع والعبادة» هي كالآتي: «فهذه التَّشريعاتُ الوضعيَّة التي يحكمون بها ويتحاكم المسلمون إليها ويَرضَوْنَ بحُكمها فهي ـ بلا شكٍّ ـ مُنازعةٌ لله في حقِّ الأمر والنَّهي والتَّشريع بغير سلطانٍ مِنَ الله، ومُخالَفةٌ صريحةٌ لجوهر التَّوحيد، وتمرُّدٌ على حقيقة الإسلام التي تُوجِبُ على عباد اللهِ القَبولَ والانقيادَ والاستسلام لدِين الله تعالى».

ولا يخفى أنَّ ما فعَلَه النَّاقلُ ـ إِنْ كان تَعمَّده ـ داخلٌ في التَّحريفِ المذمومِ للعبارة؛ وهو مِنْ جنسِ تحريف الكَلِم عن مَواضِعه الَّذي عابَه اللهُ تعالى، لِمَا فيه مِنْ إخراجِ الكلام عن معناه الذي جاء مِنْ أجله، بتغيير اللَّفظ والمعنى، ثُمَّ تفسيرِه بغيرِ وجهِه المُرتضى؛ ولا يفعل ذلك إلَّا رجلٌ مَهينٌ رَقَّ دِينُه ولم يُسعَفْ بالوعظِ والتَّوبة، ونَقصَتْ مُروءتُه، وذهبَتْ أَنَفَتُه وعِزَّتُه، الأمرُ الذي يؤدِّي ـ بطريقٍ أو بآخَرَ ـ إلى قَسوةِ القلبِ وزوالِ الشُّعورِ بمَذَلَّةِ المَعصيةِ والعدوان وعدمِ التأثُّرِ بالهوانِ، كالميِّت الذي ذهبَتْ حياتُه ـ تمامًا ـ لا يتأثَّر بالجُرح والأذى، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلُ فَطَالَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَمَدُ فَقَسَتۡ قُلُوبُهُمۡ‌ۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ ١٦[الحديد]؛ وقال الحسن البصريُّ ـ رحمه الله ـ: «وإِنْ هَمْلَجَتْ بهم البراذينُ، وطَقْطَقَتْ بهم البغالُ؛ إِنَّ ذُلَّ المعصيةِ لَفِي قلوبهم؛ أبى اللهُ عزَّ وجلَّ إلَّا أَنْ يُذِلَّ مَنْ عَصَاهُ»(١)؛ وكما قِيلَ:

مَنْ يَهُنْ يَسْهُلِ الهَوَانُ عَلَيْهِ *** مَا لِجُرْحٍ بِمَيِّتٍ إِيلَامُ(٢)

وهذا الدَّاعية المسؤولُ عنه إمَّا أنَّه لم يَطَّلِعْ على العبارة أو لم يقرإِ المَقالَ مِنْ مصدره ومَعِينه، وإنَّما أخَذَه مِنْ أفواه المُغرِضِين الشَّانئين والمُتربِّصين بحسَبِ ما حوَّرَتْه أهواؤهم وأوهامُهم، وإمَّا أَنْ يكون قد قَرَأه بنَقْصٍ في عِلْمِهِ وقُصُورٍ في فَهْمِهِ، فعابه وبنى طعوناتِه الكاذبةَ عليه، فساءَتْ قراءتُه له بفهمه السَّقيم، وإمَّا قرَأَه مُتصيِّدًا ما يحسب في ظنِّه أنَّه يُمكِنُه أَنْ يُلفِّقَ له مَطعَنًا يَروجُ على الأغرارِ والأغمارِ؛ إذ المعلومُ أنَّه ليس كُلُّ عائبٍ لأمرٍ يكون مُحِقًّا، فقَدْ قال المتنبِّي:

وَكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَوْلًا صَحِيحًا *** وَآفَتُهُ مِنَ الفَهْمِ السَّقِيمِ

وَلَكِنْ تَأْخُذُ الأَذْهَانُ مِنْهُ *** عَلَى قَدْرِ القَرَائِحِ وَالفُهُومِ(٣)

وقال ـ أيضًا ـ:

أَرَى المُتَشَاعِرِينَ غَرُوا بِذَمِّي *** وَمَنْ ذَا يَحْمَدُ الدَّاءَ العُضَالَا؟!

وَمَنْ يَـكُ ذا فَـمٍ مُرٍّ مَرِيـضٍ *** يَجِـدْ مُـرًّا بِـه المَاءَ الزُّلَالَا(٤)

إذ لا خلافَ بين المُسلمينَ أَنَّ مصدرَ الحُكمِ والتَّشريعِ والعِبادةِ للهِ وَحْدَه لا شريكَ لهُ، وطريقُ التَّعرُّفِ عليه إنَّما هو كتابُ اللهِ وسُنَّةُ نَبيِّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم، وقد تضافرَتِ النُّصوصُ القُرآنيَّةُ على تقريرِ تَفرُّدِ اللهِ بحقِّ التَّشريع للمَبَادِئ والأُصُول والتَّشريعات المُفصَّلة المُحدَّدة؛ وَيدُلُّ عليه قولُه تعالى: ﴿إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف: ٤٠، ٦٧](٥)، وقولُه تعالى: ﴿وَأَنِ ٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ وَٱحۡذَرۡهُمۡ أَن يَفۡتِنُوكَ عَنۢ بَعۡضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَ‌ۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعۡضِ ذُنُوبِهِمۡ‌ۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَٰسِقُونَ ٤٩[المائدة]، فقيَّد ما شرَعَ له أَنْ يَحْكُمَ به بما أَنزلَهُ عليه مِنْ كلامه وخطابه في كتابه أو سُنَّةِ رسولِه، وحذَّره أَنْ يتَّبِع أهواءَهم أو يَفتِنوه عن وحيِه وتنزيلِه، وجعَلَ إعراضَهم وتَولِّيَهم عنه فِسقًا وخروجًا عن طاعته وسبيلِه، وعدَّه مِنْ جملةِ ما يَستحِقُّون به ما تَوعَّدَهم به مِنْ عقوبته؛ وغيرُها مِنَ الآيات الدَّالَّةِ على أنَّ مَصدَرَ التَّشريعِ وسُلْطَةَ الحُكمِ لله وَحْدَهُ(٦)؛ وهذا المَقامُ هو أحَدُ المقاماتِ الثَّلاثةِ مِنْ أركانِ التَّوحيدِ المتمثِّلُ في: أَنْ لا يتَّخِذَ غيرَه حَكَمًا يتحاكم إليه ويُخاصِمُ إليه ويرضى بحُكمه.

وقد وصَفَ ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ هذه المَقاماتِ الثَّلاثةَ: أَنْ لا يُتَّخَذ سِواهُ ربًّا، ولا إلهًا، ولا غيرُه حَكَمًا، بأنَّها أركانُ التَّوحيد، وذلك ـ في مَعرِضِ شرحِ مَقام الرِّضا مِنْ كلامِ شيخ الإسلام أبي إسماعيلَ الهَرَوِيِّ الأنصاريِّ ـ رحمه الله ـ مُستدرِكًا عليه ومصوِّبًا له ـ فقال رحمه الله ما نصُّه: «الرِّضا بالله ربًّا: أَنْ لا يتَّخِذ ربًّا غيرَ الله تعالى يسكن إلى تدبيره ويُنزِل به حوائجَه؛ قال الله تعالى: ﴿قُلۡ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡغِي رَبّٗا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيۡءٖ[الأنعام: ١٦٤]؛ قال ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: سيِّدًا وإلهًا، يعني فكيف أطلبُ ربًّا غيرَه وهو ربُّ كُلِّ شيءٍ؟ وقال في أوَّلِ السورة: ﴿قُلۡ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّٗا فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ[الأنعام: ١٤]، يعني: معبودًا وناصرًا ومُعينًا وملجأً، وهو مِنَ الموالاة التي تتضمَّن الحبَّ والطَّاعة؛ وقال في وسطها: ﴿أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡتَغِي حَكَمٗا وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ مُفَصَّلٗا[الأنعام: ١١٤]، أي: أفغيرَ اللهِ أبتغي مَنْ يحكم بيني وبينكم فنتحاكم إليه فيما اختلَفْنا فيه؟ وهذا كتابُه سيِّدُ الحُكَّام، فكيف نتحاكم إلى غيرِ كتابه؟ وقد أَنزلَه مُفصَّلًا، مبيَّنًا كافيًا شافيًا.

وأنتَ إذا تأَمَّلْتَ هذه الآياتِ الثَّلاثَ حقَّ التَّأمُّلِ رَأَيْتَها هي نفسَ الرِّضا بالله ربًّا، وبالإسلام دِينًا، وبمحمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم رسولًا، ورأيتَ الحديثَ يُترجِمُ عنها ومُشتَقًّا منها: فكثيرٌ مِنَ النَّاس يرضى بالله ربًّا ولا يبغي ربًّا سواه، لكنَّه لا يرضى به وَحْدَه وليًّا وناصرًا، بل يُوالي مِنْ دونه أولياءَ ظنًّا منه أنَّهم يُقرِّبونه إلى الله، وأنَّ موالاتَهم كمُوالاةِ خواصِّ المَلِك، وهذا عينُ الشِّرك(٧)؛ بل التوحيد: أَنْ لا يُتَّخَذ مِنْ دونه أولياءُ؛ والقرآنُ مملوءٌ مِنْ وصف المشركين بأنَّهم اتَّخَذوا مِنْ دونه أولياءَ؛ وهذا غيرُ موالاةِ أنبيائه ورُسُلِه وعبادِه المؤمنين فيه؛ فإنَّ هذا مِنْ تمام الإيمان ومِنْ تمامِ مُوالاتِه؛ فمُوالاةُ أوليائِه لونٌ، واتِّخاذُ الوليِّ مِنْ دونه لونٌ؛ ومَنْ لم يفهم الفرقانَ بينهما(٨) فَلْيطلُبِ التوحيدَ مِنْ أساسه؛ فإنَّ هذه المسألةَ أصلُ التَّوحيدِ وأساسُه.

وكثيرٌ مِنَ النَّاس يبتغي غيرَه حَكَمًا: يتحاكم إليه ويُخاصِمُ إليه ويرضى بحكمه.

وهذه المَقاماتُ الثَّلاثُ هي أركانُ التَّوحيد: أَنْ لا يُتَّخَذ سِواهُ ربًّا ولا إلهًا، ولا غيرُه حَكَمًا»(٩). انتهى.

وقال رحمه الله ـ أيضًا ـ: «إذا عُرِف هذا فالرِّضا بالقضاء الدِّينيِّ الشَّرعيِّ واجبٌ، وهو أساسُ الإسلامِ وقاعدةُ الإيمان؛ فيجب على العبد أَنْ يكون راضيًا به بلا حَرَجٍ ولا مُنازَعةٍ ولا مُعارَضةٍ ولا اعتراضٍ؛ قال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا ٦٥[النساء]؛ فأَقسمَ أنَّهم لا يؤمنون حتَّى يحكِّموا رسولَه، وحتَّى يرتفع الحرجُ مِنْ نفوسهم مِنْ حُكمه، وحتَّى يُسلِّموا لحُكمه تسليمًا؛ وهذا حقيقةُ الرِّضا بحُكمه؛ فالتَّحكيمُ في مَقام الإسلام؛ وانتفاءُ الحرج في مَقام الإيمان؛ والتَّسليمُ في مَقامِ الإحسان»(١٠). انتهى.

وغير ذلك مِنَ المواضع مِنْ كلامه التي نبَّه فيها على إفراد الله بالحكم والتَّشريع، وأنَّهما لله وَحْدَه لا شريكَ له فيهما كما لا شريكَ له في عبادته.

فانظر كيف جعَلَ ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ أركانَ التَّوحيد: أَنْ لا يُتَّخَذ سِوى اللهِ ربًّا ولا إلهًا، ولا غيرُه حَكَمًا؟! وكيف دلَّل عليها بقوله تعالى: ﴿قُلۡ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡغِي رَبّٗا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيۡءٖ[الأنعام: ١٦٤]، وقولِه تعالى: ﴿قُلۡ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّٗا فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ[الأنعام: ١٤]، وقولِه تعالى: ﴿أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡتَغِي حَكَمٗا وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ مُفَصَّلٗا[الأنعام: ١١٤]؟! وكيف طابق بينها وبين الأصول الثلاثة التي يُسألُ عنها المرءُ في قبرِه والتي مِنْ ثمراتِها: ثلاثةُ آثارٍ ثابتةٌ بثلاثةِ أحاديثَ صحيحةٍ في مسلمٍ(١١): ذوقُ طَعمِ الإيمانِ ووجدانُ حلاوتِه، وغفرانُ الذنوب، ووجوبُ الجنَّة؟! وكيف جعَلَ الرِّضا بالقضاء الدِّينيِّ الشَّرعيِّ واجبًا، وجعَلَه أساسَ الإسلامِ وقاعدةَ الإيمان؛ وكيف فسَّر حقيقةَ الرِّضا بحُكمه بثلاثِ درجاتٍ، كُلٌّ منها داخلةٌ في مرتبةٍ مِنْ مراتب الدِّين الثلاث؟! وقد أخَذَ ذلك مِنْ قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا ٦٥[النساء]؛ فأَقسمَ اللهُ تعالى أنهم لا يؤمنون حتَّى يحكِّموا رسولَه، وحتَّى يرتفع الحرجُ مِنْ نفوسهم مِنْ حُكمه، وحتَّى يُسلِّموا لحُكمه تسليمًا؛ فالتَّحكيمُ في مَقام الإسلام؛ وانتفاءُ الحرج في مَقام الإيمان؛ والتَّسليمُ في مَقامِ الإحسان.

كما أنَّ الله تعالى ـ بحُكمه الشرعيِّ ـ أمَرَ عِبادَه بالإخلاصِ في كُلِّ عبادةٍ هي له وَحْدَه، ونهَاهُم أَنْ يُشرِكوا معه غيرَه في العبادةِ أو أَنْ يَصرِفوها لغيرِه، وهذا معنى الاستسلام لله المتضمِّن لعبادته وطاعته وحده، وهو حقيقةُ الإسلام التي تُوجِبُ على عباد اللهِ القَبولَ والانقيادَ لِدِين الله تعالى؛ قال تعالى: ﴿إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ‌ۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٤٠[يوسف]، فبالأمرِ والنَّهيِ يكونُ الحكمُ الشَّرعيُّ، إِذْ لا تخرُجُ الأحكامُ الشَّرعيَّةُ عنِ الأمرِ والنَّهيِ، ووليُّ الأمرِ إنَّما هو مُكلَّفٌ بتنفيذِ الحكمِ الشرعيِّ على نفسِهِ وعلى رعِيَّتِه التي استرعاهُ الله عليها، وهو مسؤولٌ عنها أمامَه يومَ القيامة، فلا يَحيدُ عنه ولا يُقدِمُ ولا يُحْجِمُ، ولا يُعطي ولا يمنعُ إلَّا بدليلٍ شرعيٍّ ـ بين يَديْهِ ـ يُبَرهِنُ به على صِحَّةِ حُكمِه وفِعلِهِ، ولا يَملِكُ هو ولا الأمَّةُ الخُروجَ ـ بأيِّ حالٍ مِنَ الأحوالِ ـ عن سُلطانِ الإسلامِ وشرعِهِ، بل يَعمَلُ على وضعِ التَّرتيباتِ الضَّروريَّةِ لتنفيذِ شرعِ اللهِ على رَعيَّتِهِ على وجهِ العدلِ والإنصافِ؛ إذْ إنَّ تنفيذَ الحُكمِ الشَّرعيِّ مِنْ لوازمِ خضوعِ الإمامِ الأعظمِ والأمَّةِ له؛ فإِنِ استبدل الحكمَ الشَّرعيَّ بالتَّشريعاتِ الوضعيَّة التي يحكم المسلمون بها ويتحاكمون إليها ويرضَوْن بحكمها فهي ـ بلا شكٍّ ـ مُنازعةٌ لله في حقِّ الأمر والنَّهي والتَّشريع بغير سلطانٍ مِنَ الله، ومُخالَفةٌ صريحةٌ لجوهر التَّوحيد الذي هو عبادةُ الله وَحْدَه، وتمرُّدٌ على حقيقة الإسلام التي تُوجِبُ على عباد اللهِ القَبولَ والانقيادَ والاستسلام لِدِين الله تعالى.

وجديرٌ التَّنبيهُ والإشارةُ إلى أنَّه لا وجهَ لإنكار التَّعبير بإفراد الله بالحكم؛ لأنَّه بمَثابةِ قولنا: «توحيد الله في ربوبيَّتِه هو إفرادُ اللهِ في الخَلْق والرَّزق والتَّدبير»؛ إذ لم نجعل إفرادَه بخلقه أو رَزْقِه قسمًا مُستقِلًّا عن الأقسام الثلاثة للتَّوحيد، كما أنَّه إذا قُلْنا: «لا يغفر الذنوبَ إلَّا هو» لم نخرج بتوحيده في صفة المغفرة عن توحيد الأسماء والصِّفات، ولا فرقَ بين أَنْ نُسمِّيَه إفرادًا أو توحيدًا في صفة المغفرة أو القدرة أو الحكم.

وإنَّما يقعُ النَّكيرُ على:

ـ مَنْ جعل الحاكميَّةَ قِسمًا مُستقِلًّا خارجًا عن القِسمين أو الأقسام الثلاثة(١٢).

ـ أو حصَرَ الحاكميَّة في شؤون الحكم والإمارة، وأَخرجَ منها لزومَ الطَّاعة فيما سواها مِنَ الأمر والنهي والالتزام بالشَّرع دون ابتداعٍ.

ـ أو مَنْ أَهملَ أنواعَ الشِّركِ الأخرى وهوَّن مِنْ شأنِها، فعظَّم ـ مثلًا ـ شِركَ القصورِ كما يُسمُّونه وأَهملَ شِركَ القبور، أو هوَّن مِنْ شأنِ سبِّ الله أو تحكيمِ الدِّيمقراطيَّة مميِّعًا بها نظامَ الشُّورى الشَّرعيَّ.

ـ وكذلك مَنْ بالغ فكفَّر مَنْ لم يُكفِّره اللهُ ورسولُه صلَّى الله عليه وسلَّم بغيرِ حُجَّةٍ ولا تأويلٍ سائغٍ، كمَنْ كفَّر الحاكمَ أو أصحابَ المَعاصي بما حكَمَ اللهُ ورسولُه على صاحبه بالفسق أو الظُّلم، فضلًا عن التَّكفير أو التَّفسيق بما هو عينُ الطَّاعةِ كحالِ مَنْ كفَّر أو فسَّق عليًّا ومعاويةَ رضي الله عنهما بسببِ تحكيم الرِّجال بكتاب الله.

ـ ونحوهم ممَّنْ أتى بما لا دليلَ عليه مِنَ الآثارِ المُصادِمةِ للحقِّ.

فأمَّا مَنْ عَمِلَ بمقتضى الأدلَّةِ الشرعيَّة على ما أدَّاه إليه اجتهادُه، وكان متأهِّلًا للنَّظر، ولم يُخالِطِ اجتهادَه جهلٌ أو هوًى؛ فلا لومَ عليه ولو أخطأ؛ لأنَّه مأجورٌ باجتهاده أجرًا واحدًا، معذورٌ في خَطَئِه، غيرُ مأزورٍ لبراءَتِه في اجتهاده مِنَ الجهل والهوى.

فتَنبَّهْ ـ أيُّها القارئ ـ لهذا الأمرِ وما يتضمَّنه مِنْ معنًى جيِّدًا، وافْهَمْ تفاصيلَه على الوجه المَرْضيِّ، وكُنْ على حذرٍ ممَّا يخطِّطون ويمكُرون، ولا يغرَّنَّك المُفلِسون عن الأدلَّةِ والمُتهجِّمون بكثرةِ صُراخِهم وعويلِهم، ورميِ أهلِ الحقِّ بالطُّعون والأباطيلِ للتَّشويشِ على الحقِّ بالتَّغطيةِ والتَّعميةِ؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَلۡبِسُواْ ٱلۡحَقَّ بِٱلۡبَٰطِلِ وَتَكۡتُمُواْ ٱلۡحَقَّ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٤٢[البقرة: ٤٢].

هذا، وينبغي ـ على الدَّاعي إلى الله العدلِ المُتجرِّدِ عن التَّعصُّب والتَّقليدِ، والمُتحرِّرِ عن التَّمييعِ والتَّحريض ومن السَّعيِ في اصطيادِ الهفواتِ والعثراتِ ـ إذا استغلقَ عليه لفظُ عبارةٍ محرَّرةٍ: أَنْ يتثبَّت منها ومِنَ المُرادِ بها بقراءةٍ مُمعِنةٍ إِنْ كان قادرًا على فهمها بالفهم السَّليم، أو بالرُّجوع إلى صاحبها أو غيرِه ممَّنْ يَصِلُ إليه ويفهمها إِنْ أَمكنَ، بعيدًا عن الارتجالِ والتَّسرُّع، غيرَ متأثِّرٍ بالأهواء والعواطفِ، ولا ساعيًا لإحراز المناصب الدعويَّة بالاستكثار مِنَ الأتباع المدعوِّين على حسابِ دعوة المُحِقِّين، ولا والِغًا في النَّيْل مِنْ أعراضهم، مُتجنِّيًا عليهم بإلصاق التُّهَم وتلفيقِ الإشاعات ضِدَّهم؛ فإنَّ ميزانَ الحقِّ هو العدل الَّذي لا يُعرَف بالكَثرةِ ولا بالتَّهويلِ، ولا يَتأثَّرُ بالعواطف والأهواءِ، ولا يَترجَّحُ بالرَّغبات والاستكثارِ.

هذا، وليس العيبُ أَنْ يقع المرءُ في خطإٍ، وإنَّما الخيانةُ والجِنايةُ كامنةٌ في الكذبِ وتزويقِه، وقلبِ الحقائق وتزويرِها، وكتمِ الحقِّ ولَبْسِه بالباطلِ، والاستمرارِ في الخطإ والإصرارِ عليه بعد تبيُّنِه، والافتراءِ على الصَّادقين وتكذيبِهم؛ قال الإمام الذَّهبيُّ ـ رحمه الله ـ: «إنَّما يَضُرُّ الإنسانَ الكَذِبُ، والإصْرارُ عَلى كَثْرَةِ الخَطَإِ، والتَّجَرِّي عَلى تدليسِ الباطل، فإنَّه خِيانَةٌ وجِنايَةٌ، والمَرْءُ المُسْلِمُ يُطْبَعُ على كُلِّ شَيْءٍ إلَّا الخِيانَةَ والكَذِبَ»(١٣).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٢ مِنْ صفر ١٤٤٤ﻫ
المُـوافـق ﻟ: ١٨ سبتمبر ٢٠٢٢م



(١) انظر: «إغاثة اللهفان» (١/ ٤٨، ٢/ ١٨٨) و«الجواب الكافي» (٥٩، ١٧٩) و«روضة المُحِبِّين» (١٠٢) كُلُّها لابن القيِّم.

(٢) انظر: «ديوان أبي الطيِّب المُتنبِّي» مع «شرحه» للعكبري (٤/ ٩٤).

(٣) انظر: «ديوان أبي الطيِّب المُتنبِّي» مع «شرحه» للعكبري (٤/ ١٢٠)، «أخبار أبي الطيِّب المُتنبِّي» للصِّدِّيقِّي (٤٥٠). ولفظُ العكبري:

وَلَكِنْ تَأْخُذُ الآذَانُ مِنْهُ *** عَلَى قَدْرِ القَرِيحةِ وَالعُلُومِ

(٤) يريد: أنَّ المتشبهِّين بالشُّعَراء وليسوا منهم قد أُولِعُوا بِذَمِّه وعيبِه، وليس العيبُ فيه، وإنما هو فيهم، لأنهم إمَّا يجهلون مِقدارَه وإمَّا يحسدونه، وكِلَاهما داءٌ عُضالٌ لا دواءَ له ولا شِفاءَ منه يمنعان مِنَ الإدراك السليم؛ كصاحب الفم المريض المُرِّ لا يجد للماء العذبِ الزُّلالِ ـ الذي يَزِلُّ في الحلق لِعُذوبته ـ إلَّا المرارةَ؛ ولو صحَّتْ حواسُّه وقصدُه لَصحَّ إدراكُه وحكمُه.

انظر: «ديوان أبي الطيِّب المُتنبِّي» مع «شرحه» للعكبري (٣/ ٢٢٨).

(٥) ورَدَ هذا في ثلاثِ آياتٍ، كُلُّ واحدةٍ منها لنوعٍ مِنْ أنواع الحكم:

ـ فالتي في الأنعام هي في الحكم الجزائيِّ كما يظهر مِنْ تفسير السعديِّ لها: ﴿قُلۡ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبۡتُم بِهِۦ‌ۚ مَا عِندِي مَا تَسۡتَعۡجِلُونَ بِهِۦٓ‌ۚ إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِ‌ۖ يَقُصُّ ٱلۡحَقَّ‌ۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡفَٰصِلِينَ ٥٧[الأنعام]: «فاعْلَموا أنَّ العذابَ واقعٌ بكم لا مَحالةَ، وهو عند الله، هو الذي يُنزِله عليكم إذا شاء وكيف شاء، وإِنِ استعجلتم به [أي: بالعذاب والوعيد] فليس بيدي مِنَ الأمر شيءٌ؛ ﴿إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾؛ فكما أنَّه هو الذي حكَمَ بالحكم الشرعيِّ فأمَرَ ونهى فإنَّه سيحكم بالحكم الجزائيِّ فيُثيبُ ويُعاقِب بحسَبِ ما تَقتضِيهِ حِكمتُه؛ فالاعتراضُ على حُكمه مُطلَقًا مدفوعٌ، وقد أَوضحَ السَّبيلَ وقصَّ على عِباده الحقَّ قصًّا قطَعَ به مَعاذِيرَهم، وانقطعت له حُجَّتُهم، ﴿لِّيَهۡلِكَ مَنۡ هَلَكَ عَنۢ بَيِّنَةٖ وَيَحۡيَىٰ مَنۡ حَيَّ عَنۢ بَيِّنَةٖ[الأنفال: ٤٢]؛ ﴿وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡفَٰصِلِينَ ٥٧﴾ بين عِبادِه، في الدُّنيا والآخرة، فيَفصِل بينهم فصلًا يحمده عليه حتَّى مَنْ قُضِيَ عليه ووُجِّهَ الحقُّ نحوَه».

ـ والأولى في يوسف هي صريحةٌ في الحكم الشرعيِّ: ﴿مَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ أَسۡمَآءٗ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٍ‌ۚ إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ‌ۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٤٠[يوسف].

ـ والثانية منهما صريحةٌ في الحكم القَدَريِّ: ﴿وَقَالَ يَٰبَنِيَّ لَا تَدۡخُلُواْ مِنۢ بَابٖ وَٰحِدٖ وَٱدۡخُلُواْ مِنۡ أَبۡوَٰبٖ مُّتَفَرِّقَةٖ‌ۖ وَمَآ أُغۡنِي عَنكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٍ‌ۖ إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِ‌ۖ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ‌ۖ وَعَلَيۡهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ ٦٧[يوسف].

(٦) ورَدَ في آياتٍ كثيرةٍ جِدًّا إثباتُ الحكمِ الشرعيِّ أو تفرُّدُ الله بالتَّشريع والحُكم، وتنهى عن القول على الله بلا علمٍ وتزجر عن الابتداع في دِينِه أو التَّشريعِ مِنْ دونِه، وعن التَّقدُّمِ والتَّقديمِ بين يدَيِ الله ورسولِه، وتحذِّر مِنَ المخالفة عن أمرِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وإلَّا فكُلُّ آيةٍ تقتضي أمرًا أو نهيًا فهي متضمِّنةٌ لحكم الله الشَّرعيِّ؛ ولا يخفى أنَّ جنسَ المقتضي للأمر أو النَّهي أوسعُ مِنَ جنسِ الأمر والنَّهي، فيدخل في ذلك ما كان خبرًا نحوُ: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٨٣﴾ [البقرة]، و﴿حُرِّمَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحۡمُ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦ[المائدة: ٣]، فهُما حُكمان شرعيَّان لاقتضائهما للأمر والنَّهي وإِنْ لم تكن صيغتُهما صيغةَ أمرٍ أو نهيٍ.

(٧) يعني: أنَّ المذكورَ قبله ـ وهو عدمُ الرِّضى به وَحْدَه وليًّا وناصرًا ـ هو عينُ الشِّرك في العبادة.

(٨) أي: مَنْ لم يفهم الفرقانَ بين مُوالاةِ أوليائه فيه وبين اتِّخاذِ أولياءَ مِنْ دونه...؛ لأنَّ كثيرًا مِنَ الشِّرك وقَعَ بسبَبِ عدمِ التفريق بينهما: فيَلبِسُ عليه الشيطانُ محبَّةَ أولياءِ الله للهِ بمحبَّتِهم مع الله، فتصير محبَّةُ النبيِّ وغيرِه ـ بدلَ أَنْ تكون لله ـ تصير حُبًّا مع الله وكحُبِّ الله أو أشدَّ؛ ولا يخفى أنه مِنْ عدمِ الفرقانِ بينهما في بابِ محبَّةِ الأولياء والصالحين ـ وهذا مطلوبٌ ـ دخَلَ الشِّركُ على قومِ نوحٍ ومَنْ تَبِعَهم.

(٩) «مدارج السالكين» لابن القيِّم (٢/ ١٧٨).

(١٠) «مدارج السالكين» لابن القيِّم (٢/ ١٨٩).

(١١) الأوَّل: عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رضي الله عنه أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا» [أخرجه مسلمٌ في «الإيمان» (٣٤)].

الثاني: عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ بِاللهِ رَبًّا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا»، غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ» [أخرجه مسلمٌ في «الصلاة» (٣٨٦)].

الثالث: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَا أَبَا سَعِيدٍ، مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» [أخرجه مسلمٌ في «الإمارة» (١٨٨٤)].

فتَلخَّص عندنا مِنْ ثمراتِ هذه الثلاثِ التي هي الأصول الثلاثة التي يُسألُ عنها المرءُ في قبرِه: ثلاثةُ آثارٍ بهذه الأحاديثِ الثلاثة: ذوقُ طَعمِ الإيمانِ ووجدانُ حلاوتِه، وغفرانُ الذنوب، ووجوبُ الجنَّة.

(١٢) سبق وأَنْ بيَّنتُ في فتوَى متقدِّمةٍ: أنَّ توحيد الحاكمية إنَّما هو داخلٌ في توحيد الرُّبوبيَّة وهو جزءٌ منه، [انظر: الفتوى رقم: (٣٩٤)، الموسومة ﺑ: «في حقيقة أفضلية شرح سيد قطب لمعنى «لا إله إلَّا الله»» على الموقع الرَّسمي].

(١٣) «ميزان الاعتدال» للذهبي (١/ ٣).