Skip to Content
السبت 4 شوال 1445 هـ الموافق لـ 13 أبريل 2024 م

ردود وتعقيبات رقم: ٢٨

جوابُ الإدارة على تهافت التهافت

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فلا زالت كتاباتُ المُعترِضِ تَتَّسِمُ بالتَّطويل الفاحش والتَّكرار المُمِلِّ، الأمرُ الذي يزيد في نفس القُرَّاء يقينًا راسخًا أنَّ النِّقاشَ العِلميَّ والمباحثَة بالأدلَّةِ لا يُجدي نفعًا مع القَومِ ورأسِهم، المَحرومين مِنَ التَّخلُّقِ بأدب الاعترافِ بالخطإ في هذه المسألةِ الفقهيَّة وفي غيرِها مِنْ قضايا الابتزازِ المادِّيِّ والمعنويِّ، وقد سوَّدَ مقالًا ثالثًا يتعقَّبُ فيهِ فتوى الشَّيخ أبي عبد المُعِزِّ محمَّد علي فركوس ـ حفظه الله ـ في حُكمِ الصَّلاةِ بالتَّبَاعُدِ أيَّامَ نُزُول الوباءِ، هو ـ في حدِّ ذاته ـ بعيدٌ عن العدلِ والإنصاف والتَّجرُّدِ، لم يُضِفْ فيه جديدًا، ولم يَزِدْ فِيه ما ينتفِعُ به طلبةُ العلم إلَّا تشويشًا، لا سِيَّما وقد اختار التَّفحُّشَ والتَّفظيعَ أسلوبًا له في مقالاتِه، والتَّسفُّهَ والتَّجهيلَ عادةً في مناظَراته، والتَّعنُّتَ والوقيعَةَ في الأخيارِ شعارًا يُعرَف به حفاظًا على مكانته المزعومةِ.

وقد تَولَّى المُعترِضُ علاجَ مسألةِ الصَّلاة بالتباعد مِنْ جديدٍ بشخصيَّةٍ هُروبيَّةٍ، ميَّالةٍ لتصنيف الرِّجال ـ عند إفلاسه مِنَ الحُججِ ـ في عمومِ انتقاداته، فصنَّف الشيخَ ـ حفظه الله ـ بالاعتزال، كما صنَّفه ـ مِنْ قبلُ ـ بالقُطبيَّة والسُّروريَّة والخارجيَّة والتَّكفيريَّة، والقائمةُ مفتوحةٌ ـ عنده ـ كُلَّما وجَدَ السَّبيلَ مُتاحًا لرميِ الشَّيخ ـ حفظه الله ـ غَدَر به، حتَّى يَضَعَه في مُعسكَرِ خصومِ أهلِ السُّنَّةِ، لِيَسهلَ التَّآمرُ عليه في الدَّاخل والخارجِ، وأمثالُ هذَا النَّموذج المتحامِل؛ وبتخطيطِه الماكرِ ـ لا كثَّرهم الله ـ قال فيهم الباجيُّ ـ رحمه الله ـ: «ولا يُناظر مَنْ عادتُه التَّسفُّهُ في الكلام ولا مَنْ عادتُه التفظيعُ؛ فإنَّه لا يستفيد بكلامه فائدةً»(١)، وقال فيهم الجُوَينيُّ ـ رحمه الله ـ: «وعليك ألَّا تُفاتِحَ بالمناظرة مَنْ تعلمه مُتعنِّتًا؛ لأنَّ كلامَ المتعنِّتِ ومَنْ لا يقصد مَرْضاةَ اللهِ في تَعرُّف الحقِّ والحقيقةِ بما تَقوَّله يُورِثُ المُباهاةَ والضَّجر وحُزْنَ القلب وتعدِّيَ حدودِ الله في الأمر بالمعروف والنَّهيِ عن المُنكَر، وإِنْ لم تَعْلَمْهُ كذلك حتَّى فاتَحْتَه بالكلام ثمَّ علِمْتَه عليه وَجَبَ عليك الإمساكُ عن مناظَرتِه، فإِنْ رأيتَ نصرةَ دِينِ الله سبحانه في الإمساك عنه زِدْتَ في الحدِّ وبالَغْتَ في التَّحرُّز عنه(٢)»(٣).

وقد رأت إدارةُ الموقع أَنْ لا تُجيبَ عمَّا أثاره المُعترِضُ مِنْ شُبُهاتٍ حول حُكم الصَّلاة بالتَّباعد، لكونه أعاد ما كتَبَه سابقًا وعجَّن فيه وكرَّر النُّقولَ عن العلماء ـ كعادته ـ بفهمٍ سطحيٍّ يتوافق ومجرَّدَ الاعتراضِ فحسبُ، وعليه فإنَّ إدارة الموقع تجد نفسَها مُلزَمةً بالتزامِ ما قطعته سابقًا مِنْ «أنَّه لا يُمكِنُ مواصلةُ السِّجال العِلميِّ والمُباحثةِ الفقهيَّةِ مع مَنْ يُقابل الحُجَّةَ بالشُّبهةِ، والنَّظرَ والاجتهادَ بالتَّقليدِ والتَّبعيَّةِ، والنَّصيحةَ بالعِنادِ والمُعارضَةِ، وتُعلِنُ ـ مضطرَّةً ـ عدَمَ الْتِزامِها بتتبُّع الجواب ـ مُستقبَلًا ـ عن إيرادات المُعترِضِ وجماعتِهِ، فلا تَزالُ غيرَ مَعنيَّةٍ بما يُسوِّدونَ، إلَّا إذا أوْرَدوا مَا له حظٌّ مِنَ النَّظر يستحقُّ الكشفَ والبيانَ مناقشةً وتباحثًا، أو جاؤوا بما يَشفعُ لهم قوَّةً في الدِّلالةِ، ورجاحةً في الحُجَّة، فإنَّ الإذعان إلى الحقِّ ـ عندها ـ واجبٌ لا مَناصَ منه، وعِزَّةٌ لا اعتياضَ عنها»، وقد أغنانا د. أبو أسامة عيسى الشَّلفي ـ أدامه الله لخدمةِ السُّنَّةِ وأهلِها ـ عن الإجابة عن تفاصيل حُكم الصَّلاة بالتَّباعد المُجاب عنها؛ والتي أعاد المعترضُ تَكرارَها في «تهافت التهافت» بما سطَّره مشكورًا في ردِّه الموسوم ﺑ: « منهج الإمام فركوس في الاستدلال على بطلان صلاة التباعد المحدثة» فأجاد وأفاد، حيث أتى على بُنيان المُعترِض المتهافتِ؛ فدكَّه بالنَّقد والإبطال، وبيَّن شُبُهاتِهِ المنفوخةَ ودحَضَها، فجزاه اللهُ خيرَ الجزاء.

ومع ذلك يمكن إبرازُ أهمِّ ما اتَّصفت به الكتابَة الأخيرة مِنْ خللٍ يُنبِئ عن خلطٍ وتَبَوُّؤٍ لِمَنصِبٍ مِنْ غيرِ تأهيلٍ فيما يأتي:

التَّهجُّم على مُنتقدِيه بالسَّبِّ وأنواعِ الشَّتم والتَّعيِير:

كقوله عن رَدِّ إدارة الموقع عليه: «ليس بأمثالِ هؤلاء الجهلةِ، قليلي الأدب؛ مَنْ يحكم في مسائل العلمِ؛ كما تقدَّم؛ وذلك لجهلِهم، وضيقِ عطَنِهم، وسُوءِ فهمِهم، وقلَّةِ بضاعتِهم مِنَ العلم، ووقوعِهم في التَّقليد الأعمى، والتَّعصب الأصمِّ، والتَّقديس الأغمى».

وقوله مُستشهِدًا بقول الشافعيِّ:

«فلا يضرُّ نهرَ الفُراتِ يومًا *** إذا خاض بعضُ الكلاب فيه»(٤)

وهذا هو دأبُه في كتاباته: السَّبُّ والشَّتمُ والتَّعيير، ثمَّ يتَّهِم غيرهُ بما هو ألصقُ به وأحقُّ به.

ولعلَّ المعترضَ ـ هداه الله ـ عدَّ بعضَ العبارات التي ورَدَتْ في «تهافت التهاوي» طعنًا صريحًا في مقاله وفي شخصه، والحقيقةُ أنَّها أوصافٌ صادقةٌ على كتاباته التي فيها جنايةٌ على الأصول العلميَّة، وقد أَقرَّ بذلك كُلُّ مَنْ نظَرَ في مقالاته نظرةَ صدقٍ، وَوَزَنَها بميزان العِلم والعدل، لِمَا فيه مِنَ المغالطات الفقهيَّة، والتَّطبيقاتِ العشوائيَّةِ للقواعد الأصوليَّةِ، وتوظيفِها في غيرِ محلِّها، وسوءِ الفهم للنُّصوص الحديثيَّة، وأضاف إلى ذلك سوءَ المنهجيَّة في الكتابة وعدمَ التَّسلسل المنطقيِّ في مناقشة المسائل العلميَّة الذي يفرضه البحثُ العلميُّ، والتَّكرارَ المُمِلَّ بُغيةَ التَّطويل والإطنابِ للتغرير بالنَّاس بطول الرَّد، إذ مِنَ الأتباع مَنْ لا يرمق في الرُّدود إلَّا طولَهَا وكمَّها، ويَغُضُّ الطَّرْفَ عن معدنها ولُبِّها، لِقِلَّة عِلمهم وضحالةِ مُستواهم، فأَضحى المَقالُ بدون قيمةٍ عِلميَّةٍ، وإنَّما هو مجرَّدُ مجموعةٍ مِنَ النُّقول في غير موضعها.

وعلى التَّسليم بأنَّ الوارد في «تهافت التَّهاوي» طعنٌ وقدحٌ في الكاتب فلا غرابةَ في ذلك، إذ المذكورُ في المَقال لا يبلغ عُشْرَ مِعشارِ ما طعَنَ به المُعترِضُ في الشيخ محمَّد علي فركوس ـ حفظه الله ـ حيث اتَّهَمه في منهجه ودِينه، وأراد الحطَّ مِنْ مكانته العلميَّة بعدما كان يَصِفُه بأنَّه أعلمُ مَنْ تكلَّم في الجزائر؛ فهل الجزاءُ إلَّا مِنْ جنس العمل، ومع ذلك فإنَّ الشيخَ ـ حَفِظه الله ـ يتنزَّه عن الطعن والوقيعة في مُخالِفِيه وإنْ طعنوا فيه وحاشاه أَنْ يفعل ذلك، فلسانُه لا يَلهَجُ إلَّا بالعلم، ويَمِينُه لا تخطُّ إلَّا ردَّا نافعًا مُتَّسِمًا بالموضوعيَّةً متجرِّدًا عن الحظوظ النَّفسيَّة والانتصاراتِ الشَّخصيَّة كما هي سِمَةُ العلماءِ الرَّبَّانيِّين سلفًا وخلَفًا.

التَّناقضُ المفضوح:

ومِنْ أمثلةِ ذلك: حُكمُه على كَتَبةِ إدارة الموقع بأنهم جَهَلةٌ قليلو العلمِ لا يفرِّقون بين الجارِّ والمجرور والظرف، وأنه يصدق عليهم قولُ الشافعيِّ:

أَعرضِ عنِ الجاهلِ السفيه *** فكلُّ ما قاله(٥) فهـو فيه

ثمَّ يسوِّد مقالًا في: (٢٥٨) صفحة، ويُتبِعُه بآخَرَ في (١١٧) صفحةً يردُّ به على مَنْ وصَفَهم بالجَهَلة، فهَبْ أنَّ إدارةَ الموقع حظُّها مِنَ العلم قليلٌ، أفَكان لائقًا ممَّنْ يُوصَفُ عند مُعظِّمِيه ـ زورًا ـ بأنَّه علَّامةٌ أَنْ يُجارِيَ جَهَلةً ـ كما وصَفَهم ـ ويملكون مِنَ العلمِ بِضاعةً مُزْجاةً فيكتبَ فيهم ردًّا مِنْ حلقتين بصفحاتٍ مطوَّلةٍ؟!!

إنَّ اهتمامَ المُعترِضِ بما تكتبه إدارةُ الموقعِ لَدليلٌ قاطعٌ على أنَّ تعقِيباتِها قد وقعت على المعترضِ موقعًا أقضَّتْ فيه مَضجَعَه وأَسهرَتْ به ليلَهُ وأَذهبَتْ غطرسَتَه، ولو كانت الكتاباتُ مِنْ جَهَلةٍ ـ كما وصَفَهم ـ لَامْتَثلَ لِنَصيحةِ الشافعيِّ فيمَا استشهدَ به مِنْ قوله في شعره الحكيم: أَعرِضْ عن الجاهل، فإمَّا أنَّ المعترِضَ لا يفقَه معنى الإعراض، وإمَّا أنَّ ردودَ الموقعِ عليه كانت قاصمةً أَعجَزَته فلجأَ إلى المراوغة والمَعاريض ـ الَّتي هو أبوها ـ لِخِداعِ مُخدَّرِيه؛ وأحلى الأمرين مرٌّ.

المغالطة والفجور في الخصومة(٦):

ومِنْ أمثلةِ ذلك: قولُه: «إبطال المعترض لصلاةِ أكثرَ مِنْ مليارِ مسلمٍ في العالَم».

وقوله عن فتوى الشيخ ـ حفظه الله ـ: «فترتَّب عن ذلك مِنَ الفِتَن والافتراق؛ لا يختلف فيه اثنان».

فأمَّا دعواه أنَّ الشَّيخَ ـ حفظه الله ـ قد أَبطلَ صلاةَ أكثرَ مِنْ مليارِ مُسلمٍ، فمجازفةٌ لا يجرُؤُ عليها إلَّا مُعانِدٌ أو حاقدٌ، فإنَّ الشَّيخَ إنَّما أفتى بالحكم الذي يأمر به الشَّرعُ أو ينهى عنه، ويُحكِّم الدَّليلَ الصَّحيحَ ودلالتَه في ذلك في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «اسْتَقْبِلْ صَلَاتَكَ، فَلَا صَلَاةَ لِمُنْفَرِدٍ خَلْفَ الصَّفِّ»، ولم يَنفرِدِ الشَّيخُ بهذهِ الفتوى كما هو معلومٌ، هذا مِنْ جهةٍ، وتظهر المبالغةُ حتَّى في العدد المذكور ـ مِنْ جهةٍ أخرى ـ إذ لو سَلَّمْنا جدلًا صِحَّةَ هذا القولِ فإنَّ عددَ المُصلِّين الكُلِّيَّ ليسَ بعدد المسلمين، والمحافظون على الجماعة ليسوا أكثرَ المسلمين في الحالات العاديَّةِ فكيف مع المرض والخوف، أَضِفْ إلى ذلك أنَّ أكثرَ مِنْ نصف المسلمين نساءٌ وصلاتُهنَّ غالبًا في البيوت، فأنَّى له بهذه المجازفة لولا بُغيةُ تفخيمِ الأمر وتضخيمه؟!!

كما أنَّ الحكم على المسألة بحكمٍ مَا لا يَلزَمُ منه الحكمُ على كُلِّ أفراد المُخالِفِين لها بالحكم ذاتِه، إذا كانوا في ذلك مُتَّبِعين لأقوالِ علماءَ آخَرِين.

وقد أفتى جماعةٌ مِنَ العلماء بعدم صِحَّةِ السَّعي في المسعى الجديد، فهل يعني ذلك أنَّ المعترضَ يحكم عليهم بإبطال حَجِّ مليارِ مسلمٍ وعُمرَتِهم؟ والحجُّ والعمرةُ يتكرَّران كُلَّ عامٍ خلافًا لصلاة التباعد التي ظهرت في فترةِ وباءٍ وزالت بزواله إِنْ شاء اللهُ بإذن الله؛ فجوابُ المعترضِ على هذا السؤالِ هو عينُ جوابِنا على اعتراضه.

مع التنبيه إلى أنَّ القولَ بصِحَّةِ صلاةٍ شَهِدَتِ الأدلَّةُ ببُطلانها لا يَقِلُّ خطورةً عمَّا ادَّعاه المعترِضُ ـ مبالغةً ـ مِنْ أنَّ فتوى الشيخ ـ حَفِظه الله ـ تُبطِل صلاةَ مليارِ مسلمٍ، فكما يُخشى مِنْ إبطالِ صلاةٍ صحيحةٍ ـ مِنْ جهةٍ ـ فبالمُقابِل يُخشى ـ أيضًا ـ مِنْ تصحيحِ صلاةٍ باطلةٍ يتحمَّل وِزرَها وتوابعَها مَنْ قال بجوازها ـ مِنْ جهةٍ أخرى ـ فعادَ بذلك عيبُ ما أراد تنقُّصَ الشَّيخِ به عليه، فانقلب السِّحرُ على السَّاحر، لا سِيَّما وأنَّ كثيرًا مِنَ المناطق التي شَمِلها تعميمُ جوازِ الصلاة بالتباعد وأدَّى أهلُها الصَّلاةَ في المساجد بتلك الكيفيَّة كانت خاليةً مِنْ أيِّ مرضٍ مُعْدٍ أو فتَّاكٍ بل تَقِلُّ فيها الإصاباتُ إلى أدنى درجةٍ، بل هي إلى الانعدامِ أَقرَبُ، ولا يُجازِفُ بتجويزها أو إبطالها إلَّا مَنْ تَمسَّك بالحُجَّةِ الصَّحيحةِ، والدَّليلِ السَّالم مِنَ المعارضةِ، وبيَّن فيها المَحجَّةَ.

وأمَّا ادِّعاؤُه أنَّ فتوى الشَّيخ في حكم الصَّلاة بالتباعد هي سببُ الفُرقة والفتنة فجوابُه أَنْ يقال: كيف تُلقى مسؤوليَّةُ الوضعِ المُضطرِبِ الحاليِّ وسببُ الفُرقةِ على عاتقِ القائمِ بالحُجَّة مع إظهارِ المَحَجَّة ـ وهو سبيلُ أهلِ السُّنَّة في تقرير الأحكام ـ؟ علمًا أنَّ الصلاةَ بالتباعد لم تُعرَف ولم تُقَمْ بهذه الكيفيَّةِ لا في القرون المفضَّلة ولا في غيرها مع توفُّر الدَّواعي على فعلها، ثمَّ إنَّ: «مسؤوليَّةَ هذا الوضعِ المُضطرِبِ والمَشحونِ وتَبِعاتِه إنَّما يَتحمَّلُها كُلُّ مَنْ يأبى الرُّجوعَ إلى الطَّريق السَّوِيِّ، علمًا أنَّه لا يَنفعُ التَّملُّصُ مِنَ الأخطاءِ الثَّابتةِ في قضايَا متنوِّعةٍ أو إنكارُها بالمراوغةِ وإلصاقِ التُّهَمِ بالغيرِ ولَمْزِ الشُّهودِ بأوصافٍ مُنحطَّةٍ ليُشكِّكوا في مِصداقيَّتِهم، كما لا جَدوَى مِنَ التَّتَرُّسِ بقنواتِ الوقيعةِ والشَّتيمةِ في الدُّعاةِ المُخالِفين لهم مِنَ الأئمَّةِ وطلبةِ العلمِ، فقَدْ عرَفَها القاصي والدَّاني، ولا داعِيَ لاستعمالِ أسلوبِ الهُروبِ إلى الأمامِ تحت غطاءِ التَّحريشِ والتَّلبيسِ والتَّشويشِ أو بركوبِ موجةِ التَّخفِّي بالمَعاريضِ والتَّوريةِ وغيرِها مِنْ أنواعِ التَّعميةِ والتَّضبيبِ في المواقفِ الَّتي يُحسِنُها القومُ ويتباهَوْن بها، يُغالِطونَ بها أتباعَهم ومُريدِيهم ومُناصِريهم في الدَّاخلِ والخارجِ؛ لأنَّ تلك المَعارِيضَ والتَّوْرِياتِ ليست لرفعِ ظلمٍ أو جلبِ حقٍّ، بل هي لِهَضمِ حقٍّ وإنزالِ ظلمٍ؛ ولَئِنْ كان بعضُ آحادِ المُخالَفاتِ المذكورةِ قد يكون مُبالَغًا فيه أو مُقحَمًا على غيرِ الجنسِ الَّذي ذُكِرَت فيه إلَّا أنَّ غالِبَها ثابتٌ عليهم مُندرِجٌ فيه، وما مَثَلُ هذه المحاولاتِ للتَّملُّص ـ بهذه الأساليبِ المُلتوِيَة المكشوفةِ المفضوحةِ ـ والهروبِ منها إلَّا كما قِيلَ: «كُلَّما انتَعشَ انتَكسَ»؛ فإنَّها تزيدُ صاحِبَها تورُّطًا وتحطُّ مِنْ مُستواه؛ رفَعَ اللهُ قَدْرَ عبدٍ دانَ بالحقِّ واستقامَ عليه، وآثَرَ الصَّوابَ ورجَعَ إليه.

وأمَّا بخصوصِ الدَّواءِ النَّاجعِ والحلِّ النَّافعِ لتَسكينِ الوَضعِ وتَهدِئَتِه فيَكمُنُ في رجوعِ المُخطِئِ المُخالِفِ عمَّا خالفَ فيه إلى الحقِّ المُبينِ، وفي ردِّ المَظالمِ إلى المُستحِقِّين إلَّا أَنْ يَعْفوا؛ لأنَّ الحقَّ ضالَّةُ المُؤمنِ، والرُّجوعَ إلى الحقِّ واجبٌ ونُبلٌ وفضيلةٌ، والتَّمادِيَ في الباطلِ ممنوعٌ ونَقصٌ وخِسَّةٌ ورذيلةٌ؛ وعلى الدَّاعيةِ المُوجِّهِ أَنْ يَرعى في المَدعوِّينَ الأُخوَّةَ الإيمانيَّة بالصِّدقِ في التَّطبيقِ العمليِّ لِمَا يُرشِد إليه الإسلامُ دِينًا وخُلُقًا وتربيةً دون بَطَرِ الحقِّ، ولا بَغيٍ على إخوانِه، ولا غمطِهم أو بخسِهم ما لهم عليه، فلا ينبغي أَنْ يكون صادًّا عن الصِّراطِ القويمِ بسُوءِ عملِه وقبيحِ تصرُّفاتِه، ولا مُشوِّهًا لصورةِ الإسلامِ النَّقيَّةِ، ولا مُبتزًّا للأخوَّةِ الإيمانيَّةِ في جانبِها الأخلاقيِّ والأدبيِّ، وأَنْ يكون حَذِرًا مِنِ اتِّباعِ الهوى، زاهدًا فيما عند النَّاسِ، لا يَسألُ ولا يَطمعُ فيما في أيديهِم مِنْ دُنيَا ولا مالٍ ولا جاهٍ ولا رياسةٍ، ولا يخافُ مِنْ صوتِ الحقِّ أَنْ يُزيلَ مركزَه ومَنصِبَه، أو أَنْ يُفنِيَ أطماعَه أَو أَنْ يَقضيَ على أحلامِه وآمالِه؛ وكما قِيلَ: «لَأَنْ أكون ذَنَبًا في الحقِّ خيرٌ مِنْ أَنْ أكونَ رأسًا في الباطلِ.

فلو انْسَجمَ الدَّاعي إلى الله مع المنهجِ السَّلفيِّ بحقٍّ لَحَصَلَ الخيرُ العظيمُ والنَّفعُ العميمُ، لكِنْ ماجَتِ السَّاحةُ بالاضطرابِ بسببِ الأخطاءِ في الفهمِ والتَّصوُّرِ، والتَّقصيرِ أو القُصورِ في النَّظرِ والعملِ، والبَغيِ على المُخالِف بالوقيعةِ فيه ونبزِه بفعلِ الخوارجِ مع كونِه أَسْعَدَ بالدَّليل، وعدمِ تَحَرِّي إدراكِ الحقائقِ ومعرفةِ الصَّواب، والمُتاجرةِ بالدَّعوةِ، والتَّغاضي عن الأخطاءِ، والتَّعامي عن العُيوبِ والمآخذِ والمخالفاتِ إذا كانت مِنْ أتباعهم، وتضخيمِ مُؤاخَذاتِ غيرِهم أو اختلاقِها لهم، والتَّلبيسِ بالباطل؛ صدًّا عن الحُجَج البيِّنات؛ وقد نَسُوا أنَّ الحقَّ يَبقى حقًّا وإِنْ قلَّتْ كَلِماتُه، كما أنَّ الباطلَ باطلٌ مهما كثُرَ لغَطُه وتعدَّدَتْ مجالسُه، فبذلك اتَّسعَتْ دائرةُ الاضطرابِ لعدمِ الانسجامِ مع المنهجِ الرَّبَّانيِّ والهَديِ النَّبويِّ والفهمِ السَّلفيِّ القويمِ، فتركوا عمومَ السلفيِّين في حيرةٍ وأمرٍ مَريجٍ، واللهُ المُستعانُ»(٧).

الزَّهوُ ومدحُ النَّفسِ:

يظهر جليًا لِقارئِ التهافت شخصيَّةُ الكاتبِ النَّرجسيَّة التي تزيِّن له انفرادَه بالمعرفة وعلوِّ كعبِه على غيره، ومِنْ ثَمَّ تَدعوه إلى قهرِ كُلِّ مَنْ يخالفه الرأيَ أو يعاكسه النظرَ، كقوله: «وأمَّا جوابي؛ فلم يَخْلُ مِنْ فوائدَ ﻓﻲ مختلف الفنون ـ ولله الحمدُ والمِنَّةُ ـ بشهادةِ أهل الإنصاف».

ونظرتُه لنفسِه بالكمالِ والعُلوِّ حَمَلَتْه على أَنْ يتَّهِمَ مُخالِفِيه بالحسد كقوله: «وأمَّا أهل الحقد والحسد فيصدق فيهم قولُ القائل..».

بل زادَ عُجبُه على أَنْ نصَّبَتْه نفسُه مُفتِيًا في النوازل، فقال: «لقد عَلِم المُنصِفون: أنِّي أفتَيْتُ في المسألة في بداية الوباء، قبل أَنْ تتكلَّم فيها اللجنةُ اﻟﺪَّائمة».

رَحِمَ اللهُ الإمامَ مالكًا إذ قال: «ما أَفتَيْتُ حتَّى شَهِد لي سبعون أنِّي أهلٌ لذلك»، وقال: «لا ينبغي لِرَجلٍ أَنْ يرى نَفْسَه أهلًا لشيءٍ حتَّى يسأل مَنْ هو أعلمُ منه، وما أَفتَيْتُ حتَّى سألتُ ربيعةَ ويحيى بنَ سعيدٍ، فأمَرَاني بذلك، ولو نَهَيَاني انتهَيْتُ»(٨).

ونذكِّر المعترضَ المغرورَ بقول الشافعي ـ رحمه الله ـ: «لا يَحِلُّ لأحَدٍ يُفتي في دِين الله إلَّا رجلًا عارفًا بكتاب الله: بناسخه ومنسوخِه، وبمُحكَمه ومُتشابِهه، وتأويلِه وتنزيلِه، ومَكِّيِّه ومَدَنِيِّهِ، وما أُريدَ به، وفيما أُنزِلَ، ثمَّ يكون بعد ذلك بصيرًا بحديث رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم، وبالنَّاسخ والمنسوخ، ويعرف مِنَ الحديث مِثلَ ما عرَفَ مِنَ القرآن، ويكون بصيرًا باللُّغة، بصيرًا بالشِّعر، وما يحتاج إليه للعلم والقرآن، ويستعمل مع هذا الإنصافَ، وقِلَّةَ الكلام، ويكون بعد هذا مُشرِفًا على اختلاف أهل الأمصار، ويكون له قريحةٌ بعد هذا، فإذا كان هذا هكذا فله أَنْ يتكلَّم ويُفتِيَ في الحلال والحرام، وإذا لم يكن هكذا فله أَنْ يتكلَّم في العلم ولا يُفتِيَ»(٩).

اتِّهامُ الشَّيخِ ـ حَفِظه الله ـ بِتُهَمٍ تُنبِئ عن حِقدٍ دفينٍ وغِلٍّ قديمٍ:

كقوله: «وصنيعُ المعترِضِ هو تتبُّعُ الرُّخَص والتَّشهِّي باختيار القول الذي يوافق رأيَهُ وليس هذا سبيلَ أهلِ العلم».

وقوله: «وهل هذا إلَّا عملٌ بالتَّلفيق والتَّشهِّي والتَّخيُّر بين الأقوال لموافقةِ رأيه».

وقوله: «أمَّا التَّعامل مع النَّوازل الفقهيَّة بإلغاءِ أطراف الحديث، وبترِ النُّصوص، وتلويةِ أعناقها، وبالتَّخيُّلات اﻟﺬِّهنيَّة، وسلوك مذهب النَّظَّام المعتزليِّ في الإﻟﺤاق بالعموم...؛ فإنِّي أبرأ إﻟﻰ اﷲ تعاﻟﻰ، وإنِّي أبعد كُلَّ البُعد مِنْ هذا المسلك المذموم في الاجتهاد؛ وقد عفاني(١٠) اللهُ منه ـ ولله الحمدُ والمِنَّة ـ. وأمَّا مَنْ سَلَك هذا المسلكَ المذموم، واجتهد هذا الاجتهادَ الفاسد؛ فلا يُنتظَر منه تزكيةٌ؛ بل لا يُحتاجُ إليها».

وقوله: «أمَّا فُتيَا المعترِض، فقد بان عَوارُها، واستبان فسادُها؛ لمَنْ شرَحَ اﷲُ صَدْرَه لقبول الحقِّ؛ وأنها مبنيَّةٌ على إلغاء قيدٍ مُهِمٍّ؛ وهو: «خلف الصف»؛ بالتَّصوُّر الذهنيِّ الموهوم؛ على طريق المنطقيِّين، والمتكلِّمين؛ وتعديةِ الحكم بالإلحاق عن طريق اللفظ، والعموم على مذهب النَّظَّام المعتزليِّ».

وأمَّا قوله: «أمَّا التعامل مع النوازل الفقهيَّة بإلغاءِ أطراف الحديث، وبترِ النصوص، وتلوية أعناقها، وبالتخيُّلات..» فقَدْ أُجيبَ عنها ببيانِ زيفِ دعوَى البترِ فضلًا عن كتابةِ شيخِهم السَّابق أسامة عطايا الذي ردَّ عليهم ردًّا مُفحِمًا، وأَلجمَهم ببيان الحقِّ في هذه القضيَّة.

وأمَّا بقيَّةُ الدَّعاوى فقَدْ بيَّنَّا زيفَها وبطلانَها، ولا نظنُّ أنَّ الأمرَ يحتاج إلى مَزيدِ بيانٍ، وأمَّا المُختلَقات الأخرى المنفوخة: مِنْ إلغاء أطراف الحديث، ولَيِّ أعناقِ النصوص، والتَّخيُّلات.. فهذه كُلُّها مِنْ نسجِ خيالِ المُعترِض ليس لها أدنَى حقيقةٍ في الواقع سوى تسويدِ الأوراق والتعميةِ وحشدِ المُوافِقين والمُناصِرين.

وللتذكير فإنَّ كُلَّ هذه الأوصافِ الشائنة والاتِّهاماتِ والادِّعاءات الباطلة مُكرَّرةٌ، قد فنَّدَتْها إدارةُ الموقع، وهي عاريةٌ عن حُجَّةٍ قائمةٍ، ومُفرَغةٌ مِنْ دليلٍ صحيحٍ سليمٍ؛ تعكس ـ بحقٍّ ـ التَّناقضَ والاضطراب في حقِّ مَنْ كان يقول فيه مِنْ قبلُ: «هذا يؤكِّد مدَى محبَّةِ الشَّعبِ الجزائريِّ لعالمِ الجزائر وشيخِها محمَّد علي فركوس وتقديرهم له واحترامهم له واعترافهم بجهوده العلميَّة والدَّعويَّة ووقوفهم في وجه الصَّعافقة اللِّئام آكِلِي لحومِ العلماء والسَّاعين لإسقاطهم وهيهاتَ هيهاتَ، الذين تجرَّدوا مِنْ معاني الأدب والأخلاق وتحلَّوْا بلباس الطُّعون وفحشِ الألفاظ وبذاءِ اللِّسان، فلا يعرفون للعلماء حُرمةً ولا يَرقُبون فيهم إلًّا ولا ذِمَّة، فنصرةُ العالمِ واجبٌ وشرفٌ بالقلم واللِّسان»؛ فماذا تَغيَّر اليومَ سوى نفادِ المغانم والمكاسب على حسابِ الغلابة المغرَّر بهم؟

وبالجملة: فإنَّ فتوى الشيخ أبي عبد المُعِزِّ محمَّد علي فركوس ـ حفظه الله ـ في حكم الصَّلاة بالتَّباعد مُتوافِقةٌ مع الأصول العلميَّة والمنهج الصَّحيح في الاستدلال، ومُتماشِيَةٌ مع الفهم السَّليم للنَّصِّ النَّبويِّ الذي عليه أئمَّةُ الإسلام كالإمام أحمدَ وابنِ تيميَّة والألبانيِّ ـ رحمهم الله ـ.

ولم يستطع المعترضُ أَنْ يُقِيمَ دليلًا مُعتبَرًا لنقضِ الفتوى، وغايةُ ما أثارَه كتاباتٌ يشوبُها نفَسٌ انتقاميٌّ ونزعَةٌ غضبيَّةٌ باديةٌ غيرُ خافيةٍ، محاولًا بذلك التهويلَ ودغدغةَ العواطف.

نسأل الله ـ لنا ولهم ـ الصِّدقَ والإخلاصَ في القول والعمل، والهدَى والتُّقَى والعَفافَ والغِنى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العَالمين، وصَلِّ اللهم على نَبيِّنا محمَّدٍ خاتم الأنبياء والمُرسَلين، وعلى آله وصحبهِ وإخوانهِ الطَّيِّبينَ الطَّاهرينَ.

[إدارة الموقع الرسمي للشيخ فركوس ـ حفظه الله ـ]

الجزائر في
: ١١ جمادى الأولى ١٤٤٤هـ
الموافق لـ: ٠٥ ديـســـمـــبر ٢٠٢٢م



(١) «المنهاج بترتيب الحِجاج» للباجي (١٠).

(٢) «الكافية في الجدل» للجويني (٥٣٢).

(٤) البيت هكذا مُختلٌّ في الوزن؛ وتصويبُه مِنْ «ديوان الشافعيِّ»: ما ضرَّ بحرَ الفراتِ يومًا * أَنْ خاضَ بَعْضُ الكِلابِ فيه.

(٥) الصواب الذي يقتضيه الوزنُ ويوافق ما في «ديوان الشافعيِّ»: قال.

(٦) قال القاضي عياضٌ: «قوله: «وإذا خاصم فجر»: أي: مال عن الحقِّ وقال الباطلَ والكذبَ»؛ [«إكمال المُعلِم» (١/ ٣١٥)].

(٨) أخرجهما الخطيب البغداديُّ في «الفقيه والمتفقِّه» (٢/ ٣٢٥) وأبو نُعَيْمٍ في «الحِلية» (٦/ ٣١٦).

(٩) أخرجه الخطيب البغداديُّ في «الفقيه والمتفقِّه» (٢/ ٣٣١)، وابنُ الجوزيِّ في «تعظيم الفُتيا» (٧٠).

(١٠) كذا، ولعلَّ الصوابَ: عافاني.